كتبت: د. آيات البطاوى
كما تناولنا فى العدد السابق توقعات تثبيت الفائدة على خلفية انخفاض معدلات التضخم للشهر الخامس على التوالى، وتساءلنا هل سيمهد ذلك الطريق إلى الخروج المتدرج من السياسة التشددية إلى التيسيرية؟
فى هذا التقرير نواصل متابعة الأمر فى ضوء تصريحات “جيروم باول”، رئيس مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى التى استقبلها العالم بأنه آن الأوان لأن تتحول السياسة النقدية الأمريكية من الاتجاه نحو التخفيض التدريجى فى أسعار الفائدة خلال الفترة القادمة والتحول من السياسة النقدية التشددية إلى سياسة مرنة خلال سبتمبر الجارى.
هناك من يتساءل بشكل مباشر أو غير مباشر: هل ستتأثر السياسة النقدية بمصر بما سيحدث فى الولايات المتحدة من خفض متوقع أى أنه يمكن للجنة السياسة النقدية بمصر أن تقوم بخفض تدريجى للفائدة بما يعنى توجهها أكثر لدفع النمو بعد أن تكون قد اطمأنت أكثر لخفض معدلات التضخم المستدام؟
بداية قال هشام حمزة الخبير المصرفى إن بيانات وأرقام معدلات التشغيل فى سوق العمل الأمريكى كانت هى الدافع الأساسى للتحول نحو سياسة نقدية أقل تشددا خاصة تزايد معدلات البطالة، ليكون الهدف الحالى لمجلس الاحتياطى الفيدرالى هو دعم سوق العمل مع إحراز المزيد من التقدم نحو استقرار الأسعار.
يشار إلى أن معدلات التضخم بالولايات المتحدة قد اقتربت من مستهدف الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى بواقع 2 %.
وعلى صعيد مصر توقع حمزة أن يكون الاقتصاد المصرى خلال الفترة الحالية من أكثر المستفيدين من تصريحات جيروم باول للاتجاه نحو تخفيض أسعار الفائدة والتوجه إلى سياسة نقدية اقل تشددا.
اعتبر حمزة أن هذه التصريحات تدعم تحولا كبيرا فى اتجاه أو هجرة الأموال الساخنة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدول التى تتمتع بأسعار فائدة مرتفعة ومن ضمنها الاقتصاد المصرى، وذلك نتيجة بحث تلك الأموال المستمر عن أسعار فائدة مرتفعة.
وأضاف: “هذه التصريحات تدعم تعزيز قيمة الجنية المصرى أمام سلة العملات الرئيسية نتيجة زيادة الوارد من العملة الصعبة من الأموال الساخنة، بالإضافة إلى التأثير الإيجابى على البورصة المصرية نتيجة زيادة مشتريات الأجانب المتوقع”.
وبسؤال المصدر ذاته هل يحذو البنك المركزى المصرى اتجاه مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى نفسه فى التوجه نحو تخفيض سعر الفائدة والاستغناء تدريجيا عن السياسة النقدية المتشددة؟ أفاد بأن إجابة هذا السؤال تظل مرهونة بعدد من المؤشرات التى تتم مقارنتها ووزنها بميزان البنك المركزى قبل اتخاذ القرار.
وعدد حمزة أهم هذه المؤشرات التى تنطوى على الحاجة إلى استقرار الأموال الساخنة فى الفترة الحالية فى مقابل الاستعداد لهجرة تلك الأموال، خاصة أن تلك الأموال تبحث طوال الوقت عن أعلى أسعار فائدة، وفى حالة إجراء تخفيض لمعدلات الفائدة فى مصر بمعدل كبير ومفاجئ، فإنه من المتوقع وجود تحول كبير أو هجرة فى حجم الأموال الساخنة إلى الخارج بحثا عن أسواق أخرى لديها معدلات فائدة مرتفعة مثل فنزويلا، تركيا، الأرجنتين وغانا.
وأشار إلى أن التخفيض التدريجى لسعر الفائدة فى مصر والاتجاه نحو سياسة نقدية توسعية له عدد من الجوانب الإيجابية تتضمن زيادة معدلات الاستثمار المباشر نتيجة اعتماد المؤسسات على تمويل حجم عملياتها عن طريق الاقتراض من البنوك المحلية ومادامت أسعار الفائدة مرتفعة يظل فى المقابل حجم الاستثمارات محدودا، مشيرا إلى أن استقرار الأوضاع يدفع إلى زيادة معدلات التشغيل والحد من البطالة، أيضا الاستقرار العام فى أسعار السلع الرئيسية.
وأكد أن تحديد سعر الفائدة سواء بالانخفاض أو بالزيادة يظل مرهونا أيضا بالوصول إلى المستهدف من معدلات التضخم التى يحددها البنك المركزى.
وحدد البنك المركزى معدلات التضخم عند مستوى 7 % (2± نقطة مئوية) خلال الربع الرابع من عام 2024، ومتوسط 5 % (2± نقطة مئوية) خلال الربع الرابع من عام 2026،.
وذكر حمزة أن معدلات التضخم مازالت لم تصل إلى المستهدف ولم تقترب منه، فقد سجل معدل التضخم العام فى يونيه 2024 طبقا لبيانات البنك المركزى المصرى فى حدود الـ26 %.
وتوقع عدم اتجاه البنك المركزى المصرى إلى إجراء تخفيض كبير فى معدلات الفائدة، حيث يظل تثبيت سعر الفائدة هو أقرب احتمال وذلك للحفاظ على مكتسبات الأموال الساخنة والإبقاء عليها خلال الفترة الحالية، كذلك عدم الوصول إلى المستهدف من معدلات تضخم.
قال كرم سليمان الخبير المصرفى إن المقصود بالسياسة التشددية أنها سياسة تهدف إلى مجابهة التضخم عن طريق تقليل حجم النقد المتداول فى الأسواق الذى يستخدم فى عمليات المضاربة سواء على السلع والخدمات وذلك برفع أسعار الفائدة لاجتذاب هذه النوعية من رءوس الأموال التى لا تستخدم فى العمليات الإنتاجية سواء زراعية أو صناعية.
وأوضح أنه بعد هبوط التضخم إلى الحجم المستهدف يتم تدريجيا تخفيض أسعار الفائدة لضخ أموال جديدة إلى أدوات الإنتاج المختلفة.
وأضاف كون صانع قرار السياسة النقدية فى الاقتصاد الأمريكى يرى أن الوقت المناسب لتخفيض أسعار الفائدة هو سبتمبر الجارى فذلك يعنى أن هناك مستهدفات تم تحقيقها بالفعل وأنه حان الوقت لبدء التخلى عن السياسة المتشددة والاتجاه إلى سياسة أكثر مرونة.
وأشار إلى أن معدلات التضخم بمصر على الرغم من انخفاضها فإنها مازالت تعتبر مرتفعة وأن الناتج بين سعر الفائدة لودائع الأفراد المتاح فى السوق المصرى وسعر التضخم مازال يعطى نتائج سلبية أو عائدا بالسالب.
وتوقع سليمان أن يلجأ المركزى لتخفيض أسعار الفائدة مطلع العام القادم خلال الربع الأول لتكون الصورة أكثر وضوحا وتكون مستويات التضخم قد وصلت إلى الحدود المستهدفة، ولكن هذا لا يمنع أن يقوم صانع القرار بضخ حزمة أخرى من القرارات بعيدا عن أسعار الفائدة لتنشيط العمليات الإنتاجية عن طريق مبادرات متخصصة لقطاعات الإنتاج المختلفة وتسهيلات ضريبية لمنح مزيد من الدعم إلى المشروعات الصناعية والزراعية بهدف تقليل تكلفة الإنتاج.
وإزاء هذا رجح الخبير المصرفى أن يتم تثبيت أسعار الفائدة فى الاجتماع المقبل خلال الأسبوع الجارى، إلا إذا كانت هناك مستجدات أخرى لم يتم الإعلان عنها حاليا.