كتبت: د. آيات البطاوى
تسعى الحكومة المصرية لاتباع كل الوسائل لتنويع مصادر التمويل لتحقيق عدة أهداف تنموية ومالية ونقدية، وعلى رأس تلك الأهداف خفض الدين العام.
وفى هذا السياق أعلنت الدولة عزمها طرح الإصدار الثانى من الصكوك السيادية الإسلامية، حيث سبق لها أن طرحت أول صكوك سيادية فى فبراير 2023 بقيمة 1.5 مليار دولار، وحقق هذا الإصدار نجاحا، حيث تخطى 4 مرات متجاوزا 6 مليارات دولار.
تُرى ما طبيعة هذه الصكوك ولماذا لجأت الدولة إلى إصدار هذه الصكوك ولم تصدرها فى شكل سندات؟
بالطبع الصكوك السيادية هى أدوات مالية تصدرها الحكومة أو الدول وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، وتعد بمثابة أصول تمويلية تمثل حصة من أصول أو مشروعات معينة وبالتالى فهى تختلف عن السندات التقليدية بأنها لا تعد ديونا على الدولة وإنما تمثل ملكية جزئية شائعة لأصول أو مشروعات معينة.
هذه الصكوك السيادية تضمنها أصول حقيقية، كما أن هذه الصكوك يخضع حاملوها من المستثمرين لقواعد الربح والخسارة، نظرا لتوافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية على عكس السندات التى ذكرنا أنها تمثل ديونا على الدولة ويتم دفع حامل السند فوائد ثابتة ومتغيرة.
مما سبق يتضح الأسلوب الذى يمكن من خلاله تنفيذ الصكوك السيادية الإسلامية من الناحية العملية، حيث يتطلب الأمر أن يكون هناك أصل يدر إيرادا حقيقيا، ويكون الأصل ضامنا لجودة استمرار هذا الإيراد.
ونشرت الجريدة الرسمية قرار الرئيس السيسى بتخصيص قطعة أرض بمساحة تبلغ أكثر من 41.5 ألف فدان، بما يعادل أكثر من 174 كيلومترا مربعا من المساحات المملوكة للدولة ناحية محافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية، لاستخدامها فى أغراض خفض الدين العام للدولة وإصدار الصكوك السيادية وفقا للقوانين والقواعد المعمول بها فى هذا الشأن، وتمتد المساحة الخاضعة لأحكام القرار من منطقة “رأس شقير” إلى “رأس جمسة” السياحية جنوبى خليج السويس على ساحل البحر الأحمر.
بالتأكيد سيكون هذا القرار بمثابة الأساس الذى تقوم عليه إصدار الصكوك المزمع طرحها.
وارتفع الدين العام لأجهزة الموازنة سواء الداخلى أو الخارجى بحسب وزارة المالية، إلى 12.5 تريليون جنيه (ما يعادل 89.4 % من الناتج المحلى الإجمالي) مقسمة ما بين دين محلى بقيمة 8.7 تريليون جنيه، ودين خارجى بقيمة 3.8 تريليون جنيه.
وتستهدف وزارة المالية خفض معدل الدين للناتج المحلى إلى 81 % بنهاية يونيو 2026، والنزول بحجم الدين الخارجى لأجهزة الموازنة بنحو 1 إلى 2 مليار دولار.
وحقيقة الأمر أن سوق السندات السيادية الإسلامية آخذ فى التنامى والانتشار فى العالم، حيث بلغ حجم التداول لهذه الصكوك ما يقرب من نحو 2 تريليون دولار بمعدل نمو سنوى يقترب من 16 % وفقا لتقديرات بعض مؤسسات ووكالات التصنيف الدولية.
ومن الدول الأشهر تداولا لهذه السندات ماليزيا بنسبة 55 %، والمملكة العربية السعودية بنسبة 20 %، والإمارات بنسبة 10 %، وإندونيسيا بنسبة تتراوح من 5 إلى 7 %.
وفى ضوء هذا النمو والانتشار خصوصا فى الدول ذات الاقتصادات القوية بدأت مصر فى الدخول المتدرج فى هذا السوق، كما سبق أن ذكرنا لتحقيق الأهداف الرئيسية فى تنويع مصادر التمويل وخفض الدين العام.
والسؤال المهم الذى يطرح نفسه: هل يمكن أن تشكل تلك الصكوك السيادية واجهة للتنافس مع الشهادات والأوعية الادخارية التقليدية لدى وحدات القطاع المصرفى؟
قولا واحدا ستكون الإجابة “لا” لأن الصكوك تلعب دورا مكملا لتنويع مصادر التمويل وجذب استثمارات جديدة لدعم المشروعات التنموية وتحسين التصنيف الائتمانى وتزيد الوعى بأدوات التمويل الإسلامى وترفع جاذبية الاستثمار الأجنبى المباشر، ومقابلة الطلب المتنامى من المستثمرين الراغبين فى التعامل وفقا للصيغ الإسلامية خاصة مع توقع انخفاض نسبى فى عوائد الأوعية الادخارية التقليدية متلازما مع التوجه العالمى والمحلى لخفض الفائدة.
وإلى جانب هذه المزايا الكثيرة فى إصدار هذه الصكوك فإنها تتوافق مع الاتجاه العالمى والمحلى فى خفض أسعار العائد مع تدنى معدلات التضخم.
ولكن الأمر ليس سهلا، فهناك تحديات تواجه نمو هذه الصكوك وهى تحديات مرتبطة بالنظم والتشريعات اللازمة، بالإضافة لأهمية توافر أدوات لتقييم الأصول وتحديد قيمتها وتقدير التصنيف الائتمانى لها وتكاليف الإصدار، وأيضا تحديات السوق نفسه ونقص وعى المستثمرين بتلك الأدوات وأهمية تطوير السوق الثانوى للصكوك.
بلاشك أن هناك فرصا كبيرة لنمو الصكوك فى السوق المحلى فى تمويل مشروعات التمويل الأخضر وزيادة الطلب على الأدوات التى تلتزم بصيغ تمويل الشريعة الإسلامية وجعل مصر مركزا إقليميا لتداول وإصدار الصكوك السيادية.