رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
إيمان عراقي

بنوك

هل تنافس الصكوك السيادية الأوعية الادخارية والشهادات بالبنوك؟

7-7-2025 | 17:22

كتبت‭: ‬د‭. ‬آيات‭ ‬البطاوى

تسعى‭ ‬الحكومة‭ ‬المصرية‭ ‬لاتباع‭ ‬كل‭ ‬الوسائل‭ ‬لتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل‭ ‬لتحقيق‭ ‬عدة‭ ‬أهداف‭ ‬تنموية‭ ‬ومالية‭ ‬ونقدية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأس‭ ‬تلك‭ ‬الأهداف‭ ‬خفض‭ ‬الدين‭ ‬العام‭.‬

وفى‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أعلنت‭ ‬الدولة‭ ‬عزمها‭ ‬طرح‭ ‬الإصدار‭ ‬الثانى‭ ‬من‭ ‬الصكوك‭ ‬السيادية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬حيث‭ ‬سبق‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬طرحت‭ ‬أول‭ ‬صكوك‭ ‬سيادية‭ ‬فى‭ ‬فبراير‭ ‬2023‭ ‬بقيمة‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وحقق‭ ‬هذا‭ ‬الإصدار‭ ‬نجاحا،‭ ‬حيث‭ ‬تخطى‭ ‬4‭ ‬مرات‭ ‬متجاوزا‭ ‬6‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭.‬

تُرى‭ ‬ما‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الصكوك‭ ‬ولماذا‭ ‬لجأت‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬هذه‭ ‬الصكوك‭ ‬ولم‭ ‬تصدرها‭ ‬فى‭ ‬شكل‭ ‬سندات؟

 

بالطبع‭ ‬الصكوك‭ ‬السيادية‭ ‬هى‭ ‬أدوات‭ ‬مالية‭ ‬تصدرها‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬الدول‭ ‬وفقا‭ ‬لأحكام‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وتعد‭ ‬بمثابة‭ ‬أصول‭ ‬تمويلية‭ ‬تمثل‭ ‬حصة‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬أو‭ ‬مشروعات‭ ‬معينة‭ ‬وبالتالى‭ ‬فهى‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬السندات‭ ‬التقليدية‭ ‬بأنها‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬ديونا‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬وإنما‭ ‬تمثل‭ ‬ملكية‭ ‬جزئية‭ ‬شائعة‭ ‬لأصول‭ ‬أو‭ ‬مشروعات‭ ‬معينة‭.‬

هذه‭ ‬الصكوك‭ ‬السيادية‭ ‬تضمنها‭ ‬أصول‭ ‬حقيقية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصكوك‭ ‬يخضع‭ ‬حاملوها‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬لقواعد‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة،‭ ‬نظرا‭ ‬لتوافقها‭ ‬مع‭ ‬أحكام‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬السندات‭ ‬التى‭ ‬ذكرنا‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬ديونا‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬ويتم‭ ‬دفع‭ ‬حامل‭ ‬السند‭ ‬فوائد‭ ‬ثابتة‭ ‬ومتغيرة‭.‬

مما‭ ‬سبق‭ ‬يتضح‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذى‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تنفيذ‭ ‬الصكوك‭ ‬السيادية‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية،‭ ‬حيث‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬أصل‭ ‬يدر‭ ‬إيرادا‭ ‬حقيقيا،‭ ‬ويكون‭ ‬الأصل‭ ‬ضامنا‭ ‬لجودة‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الإيراد‭.‬

ونشرت‭ ‬الجريدة‭ ‬الرسمية‭ ‬قرار‭ ‬الرئيس‭ ‬السيسى‭ ‬بتخصيص‭ ‬قطعة‭ ‬أرض‭ ‬بمساحة‭ ‬تبلغ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬41‭.‬5‭ ‬ألف‭ ‬فدان،‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬174‭ ‬كيلومترا‭ ‬مربعا‭ ‬من‭ ‬المساحات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬ناحية‭ ‬محافظة‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬لصالح‭ ‬وزارة‭ ‬المالية،‭ ‬لاستخدامها‭ ‬فى‭ ‬أغراض‭ ‬خفض‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬للدولة‭ ‬وإصدار‭ ‬الصكوك‭ ‬السيادية‭ ‬وفقا‭ ‬للقوانين‭ ‬والقواعد‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الشأن،‭ ‬وتمتد‭ ‬المساحة‭ ‬الخاضعة‭ ‬لأحكام‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬“رأس‭ ‬شقير”‭ ‬إلى‭ ‬“رأس‭ ‬جمسة”‭ ‬السياحية‭ ‬جنوبى‭ ‬خليج‭ ‬السويس‭ ‬على‭ ‬ساحل‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭.‬

بالتأكيد‭ ‬سيكون‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬بمثابة‭ ‬الأساس‭ ‬الذى‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬إصدار‭ ‬الصكوك‭ ‬المزمع‭ ‬طرحها‭.‬

وارتفع‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬لأجهزة‭ ‬الموازنة‭ ‬سواء‭ ‬الداخلى‭ ‬أو‭ ‬الخارجى‭ ‬بحسب‭ ‬وزارة‭ ‬المالية،‭ ‬إلى‭ ‬12‭.‬5‭ ‬تريليون‭ ‬جنيه‭ (‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬89‭.‬4‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالي‭) ‬مقسمة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬دين‭ ‬محلى‭ ‬بقيمة‭ ‬8‭.‬7‭ ‬تريليون‭ ‬جنيه،‭ ‬ودين‭ ‬خارجى‭ ‬بقيمة‭ ‬3‭.‬8‭ ‬تريليون‭ ‬جنيه‭.‬

وتستهدف‭ ‬وزارة‭ ‬المالية‭ ‬خفض‭ ‬معدل‭ ‬الدين‭ ‬للناتج‭ ‬المحلى‭ ‬إلى‭ ‬81‭ % ‬بنهاية‭ ‬يونيو‭ ‬2026،‭ ‬والنزول‭ ‬بحجم‭ ‬الدين‭ ‬الخارجى‭ ‬لأجهزة‭ ‬الموازنة‭ ‬بنحو‭ ‬1‭ ‬إلى‭ ‬2‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

وحقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬السيادية‭ ‬الإسلامية‭ ‬آخذ‭ ‬فى‭ ‬التنامى‭ ‬والانتشار‭ ‬فى‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬التداول‭ ‬لهذه‭ ‬الصكوك‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬2‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬بمعدل‭ ‬نمو‭ ‬سنوى‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬16‭ % ‬وفقا‭ ‬لتقديرات‭ ‬بعض‭ ‬مؤسسات‭ ‬ووكالات‭ ‬التصنيف‭ ‬الدولية‭.‬

ومن‭ ‬الدول‭ ‬الأشهر‭ ‬تداولا‭ ‬لهذه‭ ‬السندات‭ ‬ماليزيا‭ ‬بنسبة‭ ‬55‭ %‬،‭ ‬والمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬بنسبة‭ ‬20‭ %‬،‭ ‬والإمارات‭ ‬بنسبة‭ ‬10‭ %‬،‭ ‬وإندونيسيا‭ ‬بنسبة‭ ‬تتراوح‭ ‬من‭ ‬5‭ ‬إلى‭ ‬7‭ %.‬

وفى‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬والانتشار‭ ‬خصوصا‭ ‬فى‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الاقتصادات‭ ‬القوية‭ ‬بدأت‭ ‬مصر‭ ‬فى‭ ‬الدخول‭ ‬المتدرج‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬السوق،‭ ‬كما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬ذكرنا‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الرئيسية‭ ‬فى‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل‭ ‬وخفض‭ ‬الدين‭ ‬العام‭.‬

والسؤال‭ ‬المهم‭ ‬الذى‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬تلك‭ ‬الصكوك‭ ‬السيادية‭ ‬واجهة‭ ‬للتنافس‭ ‬مع‭ ‬الشهادات‭ ‬والأوعية‭ ‬الادخارية‭ ‬التقليدية‭ ‬لدى‭ ‬وحدات‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفى؟

قولا‭ ‬واحدا‭ ‬ستكون‭ ‬الإجابة‭ ‬“لا”‭ ‬لأن‭ ‬الصكوك‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬مكملا‭ ‬لتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل‭ ‬وجذب‭ ‬استثمارات‭ ‬جديدة‭ ‬لدعم‭ ‬المشروعات‭ ‬التنموية‭ ‬وتحسين‭ ‬التصنيف‭ ‬الائتمانى‭ ‬وتزيد‭ ‬الوعى‭ ‬بأدوات‭ ‬التمويل‭ ‬الإسلامى‭ ‬وترفع‭ ‬جاذبية‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبى‭ ‬المباشر،‭ ‬ومقابلة‭ ‬الطلب‭ ‬المتنامى‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬الراغبين‭ ‬فى‭ ‬التعامل‭ ‬وفقا‭ ‬للصيغ‭ ‬الإسلامية‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬توقع‭ ‬انخفاض‭ ‬نسبى‭ ‬فى‭ ‬عوائد‭ ‬الأوعية‭ ‬الادخارية‭ ‬التقليدية‭ ‬متلازما‭ ‬مع‭ ‬التوجه‭ ‬العالمى‭ ‬والمحلى‭ ‬لخفض‭ ‬الفائدة‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬هذه‭ ‬المزايا‭ ‬الكثيرة‭ ‬فى‭ ‬إصدار‭ ‬هذه‭ ‬الصكوك‭ ‬فإنها‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬الاتجاه‭ ‬العالمى‭ ‬والمحلى‭ ‬فى‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬العائد‭ ‬مع‭ ‬تدنى‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭.‬

ولكن‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬سهلا،‭ ‬فهناك‭ ‬تحديات‭ ‬تواجه‭ ‬نمو‭ ‬هذه‭ ‬الصكوك‭ ‬وهى‭ ‬تحديات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالنظم‭ ‬والتشريعات‭ ‬اللازمة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لأهمية‭ ‬توافر‭ ‬أدوات‭ ‬لتقييم‭ ‬الأصول‭ ‬وتحديد‭ ‬قيمتها‭ ‬وتقدير‭ ‬التصنيف‭ ‬الائتمانى‭ ‬لها‭ ‬وتكاليف‭ ‬الإصدار،‭ ‬وأيضا‭ ‬تحديات‭ ‬السوق‭ ‬نفسه‭ ‬ونقص‭ ‬وعى‭ ‬المستثمرين‭ ‬بتلك‭ ‬الأدوات‭ ‬وأهمية‭ ‬تطوير‭ ‬السوق‭ ‬الثانوى‭ ‬للصكوك‭.‬

بلاشك‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فرصا‭ ‬كبيرة‭ ‬لنمو‭ ‬الصكوك‭ ‬فى‭ ‬السوق‭ ‬المحلى‭ ‬فى‭ ‬تمويل‭ ‬مشروعات‭ ‬التمويل‭ ‬الأخضر‭ ‬وزيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬التى‭ ‬تلتزم‭ ‬بصيغ‭ ‬تمويل‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وجعل‭ ‬مصر‭ ‬مركزا‭ ‬إقليميا‭ ‬لتداول‭ ‬وإصدار‭ ‬الصكوك‭ ‬السيادية‭.‬‮ ‬

اخر اصدار