إن أهداف الأمن السيبرانى لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ليست حاسمة فحسب، بل شكلت أيضا ركيزة أساسية لطموحات دولها الأعضاء الرقمية وقدرتها على الصمود. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الأهداف مهمة شاقة فى ظل مشهد أمنى عالمى متغير بشكل متزايد بفعل التوترات الجيو سياسية المتصاعدة. ونجد أن قمة آسيان السادسة والأربعين، التى انعقدت فى مايو 2024م بكوالامبور قد اعتمدت المنظمة الإقليمية وثيقة “رؤية آسيان 2045” تحت عنوان “مستقبلنا المشترك” وشكلت هذه الوثيقة نموذجا يسترشد به فى تحقيق التكامل الإقليمى والمرونة على المدى الطويل.
تكونت الوثيقة من ستة فصول، بما فى ذلك الخطة الإستراتيجية لمجتمع الأمن السياسى لآسيان (APSC)، ويحدد اثنان من الأهداف الإستراتيجية التسعة لمجتمع الأمن السياسى لآسيان الأولويات المتعلقة بالأمن السيبراني، إذ نجد الهدف الإستراتيجى الرابع من الخطة لمنتدى التعاون الآسيوى الآسيوى أن تظل رابطة دول “آسيان” قوة دافعة رئيسة فى تشكيل البنية الإقليمية والمساهمة فى إرساء نظام دولى قائم على القواعد فى ظل التوترات والتنافسات الجيوسياسية، مع الأخذ فى الاعتبار انطباق هذه الرؤية على الفضاء الإلكترونى. ولتحقيق هذه الغاية دعا الهدف إلى تعزيز التبادلات والتفاعلات وتدابير بناء الثقة فى مجالات الأمن الحالية والناشئة بما فى ذلك الأمن السيبرانى. ويتصور الهدف الإستراتيجى الخامس من الخطة وجود رابطة تسهم فى حفظ السلام والأمن الدوليين من خلال دعم النظام متعدد الأطراف والقائم على القواعد والقانون الدولى بما فى ذلك الفضاء الإلكترونى. ولهذا الغرض دعا الهدف إلى تعزيز الجهود لمكافحة الجرائم العابرة للحدود، بما فى ذلك عمليات الاحتيال الإلكترونى والجرائم الإلكترونية كما يدعو إلى تعزيز التعاون للتصدى للتحديات الناشئة عن إساءة استخدام واستغلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والذكاء الاصطناعى وسيكون هذا التعاون حاسما لبناء الثقة فى البنية التحتية الشبكية والرقمية. ويتعلق الهدف الإستراتيجى الثالث من الخطة بتوسيع وتعزيز الاتصال الرقمى لرابطة دول جنوب شرق آسيا، والمتطلب تعزيز تدابير الأمن السيبرانى لحماية النظم البيئية والرقمية والسلامة على الإنترنت ومكافحة عمليات الاحتيال الإلكترونى وتعزيز الموثوقية فى الخدمات الرقمية، بما فى ذلك استخدام تقنيات وتطبيقات الأمن السيبرانى. وبتجاوز المصطلحات والعبارات الأساسية فى الوثيقة يتضح أن أهداف الأمن السيبرانى فى المنطقة لا تقتصر على تعزيز استقلالية دولها الأعضاء فى مواجهة القوى الخارجية، بل تحمل أيضا وعدا بتعزيز التنمية الاقتصادية والتجارية، ما يضمن استمرار الاستقرار الإقليمى. وقد تجد دول رابطة “آسيان” نفسها فى موقف أكثر صعوبة فى موازنة علاقاتها مع شركائها فى الحوار مثل الصين، روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي. ومع انغماس هؤلاء الشركاء فى توترات جيوسياسية أعمق أو انخراطهم بشكل غير مباشر فى صراعات قد لاتبدو لها بوادر حل قريبة، وعلى وجه التحديد ستثير مبادرات رابطة آسيان لتعزيز التعاون فى التجارة الرقمية والتكنولوجيا والأمن السيبرانى مع الصين وروسيا -سواء على المستويين المحلى أو الإقليمى- مخاوف وردود أفعال مضادة من جانب العديد من القوى الغربية وحلفائها الآسيويين.
يبدو أن عشرين عاما (2025 - 2045) م فترة طويلة، إلا أن السؤال الذى يطرح نفسه هل ستنجح هذه الرؤية لتحقيق أهدافها بما فى ذلك الفضاء الإلكترونى؟