رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
إيمان عراقي

مقالات

صندوق النقد يؤجل المراجعة الخامسة ومصر تراجع نتائج برامج الإصلاح

5-8-2025 | 11:53

بقلم: أ‭.‬د‭. ‬محمد‭ ‬البنا

بعد‭ ‬تجربة‭ ‬طالت‭ ‬قرابة‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬عاشها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المصرى،‭ ‬دعت‭ ‬الحكومة‭ ‬المصرية‭ ‬مؤخرا‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬برامج‭ ‬الصندوق،‭ ‬وبحث‭ ‬جدواها‭ ‬وسبل‭ ‬تفعيل‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭ ‬التى‭ ‬يجرى‭ ‬تطبيقها‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬برنامج‭ ‬الإصلاح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أواخر‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬والتى‭ ‬تم‭ ‬خلالها‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬الصندوق‭ ‬أتاح‭ ‬لمصر‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وتبعها‭ ‬اتفاقات‭ ‬أخرى‭ ‬دعمت‭ ‬الموقف‭ ‬المالى‭ ‬للحكومة‭ ‬ووفرت‭ ‬أرصدة‭ ‬مناسبة‭ ‬من‭ ‬الاحتياطات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬حيث‭ ‬حصلت‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬2‭.‬77‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬2020‭ ‬كمساعدات‭ ‬عاجلة،‭ ‬وخلال‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬حصلت‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬قرض‭ ‬إجمالى‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬5‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬

 

وجاء‭ ‬القرض‭ ‬بعد‭ ‬شهر‭ ‬من‭ ‬حصول‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬آخر‭ ‬بقيمة‭ ‬2‭.‬77‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وخلال‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المقرر‭ ‬حصول‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬قرض‭ ‬بقيمة‭ ‬3‭ ‬مليارات‭ ‬دولار،‭ ‬زيدت‭ ‬إلى‭ ‬8‭ ‬مليارات‭ ‬دولار،‭ ‬مع‭ ‬إمكانية‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬قرض‭ ‬إضافى‭ ‬بقيمة‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬الاستدامة‭ ‬البيئية‭ ‬التابع‭ ‬لصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأداء‭ ‬الكلية‭ ‬التى‭ ‬استهدفتها‭ ‬برامج‭ ‬الصندوق‭ ‬لايزال‭ ‬معدل‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادى‭ ‬فى‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬الأخيرة‭ ‬22‭/‬2023‭ - ‬2024/2025‭ ( ‬3.8،‭ ‬2‭.‬4،‭ ‬3‭.‬6‭ % ‬على‭ ‬التوالى‭) ‬دون‭ ‬المستوى‭ ‬المستهدف،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تكفى‭ ‬بالكاد‭ ‬لمقابلة‭ ‬الزيادة‭ ‬فى‭ ‬السكان‭ (‬التى‭ ‬تبلغ‭ ‬2‭ %) ‬مع‭ ‬هامش‭ ‬تحسن‭ ‬ضئيل‭ ‬فى‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة،‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬الذى‭ ‬لاتزال‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬مرتفعة‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬رغم‭ ‬تراجعها‭ ‬المحدود‭: ‬24‭.‬4،‭ ‬33‭.‬3،‭ ‬22‭.‬4‭ %‬‭ ‬كمتوسط‭ ‬للسنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬الأخيرة‭. ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الوضع‭ ‬المالى‭ ‬للحكومة‭ ‬فلاتزال‭ ‬معدلات‭ ‬الإيرادات‭ ‬والمنح‭ ‬فى‭ ‬حدود‭ ‬15‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالى‭ ‬بينما‭ ‬وصلت‭ ‬نسبة‭ ‬النفقات‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬25‭.‬5‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬عام‭ ‬2024‭ - ‬2025‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬استمر‭ ‬العجز‭ ‬الكلى‭ ‬فى‭ ‬التزايد‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬10‭.‬6‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬فى‭ ‬السنة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أما‭ ‬نسبة‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬للناتج‭ ‬فلاتزال‭ ‬مرتفعة‭ ‬رغم‭ ‬الاتجاه‭ ‬النزولى‭ ‬المحدود،‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬87‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬فى‭ ‬العام‭ ‬المالى‭ ‬الأخير،‭ ‬وتبعه‭ ‬الدين‭ ‬الخارجى‭ ‬الذى‭ ‬أخذ‭ ‬اتجاها‭ ‬تصاعديا‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬46‭.‬1‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬فى‭ ‬حين‭ ‬أخذ‭ ‬عجز‭ ‬الحساب‭ ‬الجارى‭ ‬فى‭ ‬التزايد‭ ‬كنسبة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬5‭.‬8‭ %‬،‭ ‬وشكلت‭ ‬نسبة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المباشرة‭ ‬اتجاها‭ ‬نزوليا‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬3‭.‬7‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬فى‭ ‬العام‭ ‬المالى‭ ‬الأخير‭ (‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولى‭).‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬تأخرت‭ ‬المراجعة‭ ‬الخامسة‭ ‬لبرنامج‭ ‬قرض‭ ‬مصر‭ ‬الأخير‭ ‬البالغ‭ ‬8‭ ‬مليارات‭ ‬دولار،‭ ‬وقد‭ ‬يتجه‭ ‬الصندوق‭ ‬لدمجها‭ ‬مع‭ ‬المراجعة‭ ‬السادسة،‭ ‬تحت‭ ‬دعوى‭ ‬التقدم‭ ‬البطىء‭ ‬فى‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الهيكلية،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤخر‭ ‬صرف‭ ‬الشريحة‭ ‬التالية‭ ‬البالغة‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬لمدة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬حيث‭ ‬تواجه‭ ‬البلاد‭ ‬صعوبة‭ ‬فى‭ ‬تلبية‭ ‬المعايير‭ ‬الهيكلية‭ ‬بموجب‭ ‬“اتفاق‭ ‬تسهيل‭ ‬الصندوق‭ ‬الممدد”،‭ ‬وتحديدا‭ ‬مستهدفات‭ ‬التخارج‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬ينشر‭ ‬الصندوق‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬تقرير‭ ‬الخبراء‭ ‬الخاص‭ ‬بالمراجعة‭ ‬الرابعة،‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬وضع‭ ‬اللمسات‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬إجراءات‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬القاعدة‭ ‬الضريبية‭.‬

الدروس‭ ‬المستفادة

ولعل‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يستفاد‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬خطورة‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذى‭ ‬تستهدفه‭ ‬برامج‭ ‬الصندوق‭ ‬ومنع‭ ‬تعرض‭ ‬النظام‭ ‬النقدى‭ ‬الدولى‭ ‬للأزمات‭ (‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسات‭ ‬التثبيت‭ ‬والتكيف‭ ‬الهيكلى‭) ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬بشكل‭ ‬تلقائى‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بفرض‭ ‬النجاح‭ ‬فى‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وعلاج‭ ‬اختلالات‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات‭ ‬والموازنة‭ ‬العامة‭ ‬ومكافحة‭ ‬التضخم،‭ ‬فالنمو‭ ‬فى‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬يتطلب‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬حشد‭ ‬الموارد‭ ‬المحلية‭ ‬والوصول‭ ‬بمعدل‭ ‬الادخار‭ ‬المحلى‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬القدرة‭ ‬الادخارية‭ ‬وتمويل‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬أهداف‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والاهتمام‭ ‬بتنمية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشرى‭ ‬والتقدم‭ ‬التقنى،‭ ‬لرفع‭ ‬الإنتاجية‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬يجب‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬اختلاف‭ ‬متطلبات‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭ ‬عن‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادى،‭ ‬فالتنمية‭ ‬مفهوم‭ ‬أشمل‭ ‬يتخطى‭ ‬نمو‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالي،‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬بمستوى‭ ‬معيشة‭ ‬السكان‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬ضرورة‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادى‭ ‬عن‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬السكان‭ ‬وارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬دخل‭ ‬الفرد،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬فى‭ ‬هيكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطنى‭ ‬والاهتمام‭ ‬بتحقيق‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الأمان‭ ‬الاجتماعى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادى‭ (‬تخطيط‭ ‬تأشيرى‭) ‬يضمن‭ ‬قيام‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬بدور‭ ‬أوسع‭ ‬فى‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭.‬

اخر اصدار