بقلم: أ.د. محمد البنا
بعد تجربة طالت قرابة عقد من الزمان عاشها الاقتصاد المصرى، دعت الحكومة المصرية مؤخرا إلى تقييم برامج الصندوق، وبحث جدواها وسبل تفعيل السياسات المالية والنقدية التى يجرى تطبيقها منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصاد أواخر عام 2016 والتى تم خلالها التوصل إلى اتفاق مع الصندوق أتاح لمصر الحصول على 12 مليار دولار، وتبعها اتفاقات أخرى دعمت الموقف المالى للحكومة ووفرت أرصدة مناسبة من الاحتياطات الأجنبية، حيث حصلت مصر على 2.77 مليار دولار خلال 2020 كمساعدات عاجلة، وخلال عام 2021 حصلت مصر على قرض إجمالى بلغ نحو 5.4 مليار دولار.
وجاء القرض بعد شهر من حصول مصر على تمويل آخر بقيمة 2.77 مليار دولار، وخلال عام 2022 كان من المقرر حصول مصر على قرض بقيمة 3 مليارات دولار، زيدت إلى 8 مليارات دولار، مع إمكانية الحصول على قرض إضافى بقيمة 1.2 مليار دولار من صندوق الاستدامة البيئية التابع لصندوق النقد الدولي.
وعلى مستوى مؤشرات الأداء الكلية التى استهدفتها برامج الصندوق لايزال معدل النمو الاقتصادى فى السنوات الثلاث الأخيرة 22/2023 - 2024/2025 ( 3.8، 2.4، 3.6 % على التوالى) دون المستوى المستهدف، حيث لا تكفى بالكاد لمقابلة الزيادة فى السكان (التى تبلغ 2 %) مع هامش تحسن ضئيل فى مستوى المعيشة، فى الوقت الذى لاتزال الضغوط التضخمية مرتفعة بصورة كبيرة رغم تراجعها المحدود: 24.4، 33.3، 22.4 % كمتوسط للسنوات الثلاث الأخيرة. وعلى مستوى الوضع المالى للحكومة فلاتزال معدلات الإيرادات والمنح فى حدود 15 % من الناتج المحلى الإجمالى بينما وصلت نسبة النفقات العامة إلى 25.5 % من الناتج عام 2024 - 2025. ومن ثم استمر العجز الكلى فى التزايد حتى بلغ نحو 10.6 % من الناتج فى السنة الأخيرة، أما نسبة الدين العام للناتج فلاتزال مرتفعة رغم الاتجاه النزولى المحدود، حيث بلغ نحو 87 % من الناتج فى العام المالى الأخير، وتبعه الدين الخارجى الذى أخذ اتجاها تصاعديا حتى بلغ 46.1 % من الناتج فى حين أخذ عجز الحساب الجارى فى التزايد كنسبة من الناتج حتى بلغ 5.8 %، وشكلت نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة اتجاها نزوليا حتى بلغت 3.7 % من الناتج فى العام المالى الأخير (صندوق النقد الدولى).
من ناحية أخرى تأخرت المراجعة الخامسة لبرنامج قرض مصر الأخير البالغ 8 مليارات دولار، وقد يتجه الصندوق لدمجها مع المراجعة السادسة، تحت دعوى التقدم البطىء فى الإصلاحات الهيكلية، ما قد يؤخر صرف الشريحة التالية البالغة 1.2 مليار دولار لمدة تصل إلى ستة أشهر، حيث تواجه البلاد صعوبة فى تلبية المعايير الهيكلية بموجب “اتفاق تسهيل الصندوق الممدد”، وتحديدا مستهدفات التخارج من الأصول المملوكة للدولة، كما لم ينشر الصندوق حتى الآن تقرير الخبراء الخاص بالمراجعة الرابعة، حتى يتم وضع اللمسات الأخيرة على إجراءات تهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية.
الدروس المستفادة
ولعل من أهم ما يستفاد من تلك التجربة خطورة الاعتقاد بأن تحقيق الاستقرار الذى تستهدفه برامج الصندوق ومنع تعرض النظام النقدى الدولى للأزمات (من خلال سياسات التثبيت والتكيف الهيكلى) يمكن أن يقود بشكل تلقائى للنمو الاقتصادي، بفرض النجاح فى تحقيق الاستقرار، وعلاج اختلالات ميزان المدفوعات والموازنة العامة ومكافحة التضخم، فالنمو فى حد ذاته يتطلب مزيدا من حشد الموارد المحلية والوصول بمعدل الادخار المحلى إلى مستوى القدرة الادخارية وتمويل قدر من الاستثمارات يتناسب مع أهداف النمو الاقتصادي، والاهتمام بتنمية رأس المال البشرى والتقدم التقنى، لرفع الإنتاجية. ومن ناحية أخرى يجب الانتباه إلى اختلاف متطلبات عملية التنمية عن النمو الاقتصادى، فالتنمية مفهوم أشمل يتخطى نمو الناتج المحلى الإجمالي، إلى الارتفاع بمستوى معيشة السكان ومن ثم ضرورة ارتفاع معدل النمو الاقتصادى عن معدل نمو السكان وارتفاع متوسط دخل الفرد، فضلا عن ضرورة إحداث تغيير فى هيكل الاقتصاد الوطنى والاهتمام بتحقيق شبكة من الأمان الاجتماعى، وهو ما يتطلب نوعا من التخطيط الاقتصادى (تخطيط تأشيرى) يضمن قيام القطاع الخاص بدور أوسع فى عملية التنمية.