يختص بدراسة واقتراح ما يــراه كفيـــلا بتوسيـــع دعــــائم الديمقراطية
بقلم: إيمان عراقى - رئيس التحرير
منذ أن أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات عن مواعيد التقدم لانتخابات مجلس الشيوخ ووسائل التواصل الاجتماعى تلمح عن عدم أهمية مجلس الشيوخ وفى الحقيقة أن المجالس النيابية تعد ركيزة أساسية فى أى نظام ديمقراطى حديث، إذ تمثل صوت الشعب وتعبر عن آماله وطموحاته. وفى مصر، يعتبر مجلس الشيوخ -على الرغم من فترات إلغائه وإعادة إحيائه- جزءا مهما من البنية التشريعية والسياسية، يلعب دورا فى صياغة السياسات العامة، وإثراء الحوار المجتمعى حول القضايا التشريعية. ومع اقتراب الانتخابات القادمة، يبرز الحديث مجددا حول أهمية مجلس الشيوخ، ودوره فى دعم استقرار الدولة وتحقيق التوازن التشريعى.
لمحة تاريخية
أُنشئ مجلس الشورى فى مصر لأول مرة عام 1980 بموجب تعديل دستورى، ليكون غرفة ثانية للتشريع بجانب مجلس الشعب (النواب). وكانت فلسفة إنشائه قائمة على توسيع قاعدة المشاركة الشعبية فى صنع القرار، وإتاحة المجال للنقاش المعمق حول مشروعات القوانين والقضايا العامة. ظل المجلس قائما حتى عام 2014، حين تم إلغاؤه بموجب دستور ذلك العام، ضمن توجه لإعادة صياغة هياكل السلطة التشريعية فى ضوء المتغيرات التى شهدتها البلاد بعد ثورة 30 يونيه.
لكن سرعان ما عاد الجدل السياسى والقانونى حول ضرورة وجود غرفة ثانية للبرلمان تساند مجلس النواب، وتساهم فى تحسين جودة التشريع وتدعيم الحوار الوطنى. وبالفعل، عاد مجلس الشورى مجددا تحت اسم مجلس الشيوخ بموجب التعديلات الدستورية لعام 2019، ليبدأ أول أدواره البرلمانية بعد انتخاب أعضائه فى 2020
مجلس الشورى أم مجلس الشيوخ؟
على الرغم من التغيير فى الاسم، تظل وظيفة المجلس ثابتة من حيث المبدأ؛ وهى تقديم المشورة والنقاش حول مشروعات القوانين والسياسات العامة دون أن يكون له سلطة تشريعية مطلقة كمجلس النواب.
وفق الدستور المصرى، فإن مجلس الشيوخ يختص بدراسة واقتراح ما يراه كفيلا بتوسيع دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعى، والمقومات الأساسية للمجتمع، والحريات والحقوق والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطى وتوسيع مجالاته.
ويتمتع مجلس الشيوخ بسلطة تقديم الرأى فى مشروعات القوانين المكملة للدستور، وخطط التنمية، والمعاهدات الدولية، وقضايا الوحدة الوطنية.
وتظهر أهمية مجلس الشيوخ فى عدة نقاط أبرزها:
ضمان جودة التشريعات
وجود مجلس الشورى يتيح مزيدا من الوقت والمجال للنقاش العام المتعمق لمشروعات القوانين قبل إصدارها، وهو ما يسهم فى رفع جودة التشريع، وتلافى التعارض أو التناقض بين القوانين.
منبر للحوار الوطنى
يعتبر المجلس منصة مهمة لاستيعاب الآراء المختلفة، خاصة تلك المتعلقة بالقضايا الحساسة مثل الحريات العامة، وقضايا التنمية، والعلاقات الخارجية.
توسيع قاعدة المشاركة السياسية
يضم المجلس فى عضويته شخصيات عامة وخبراء فى شتى المجالات، ما يجعله أداة لإشراك الكفاءات الوطنية فى الحياة التشريعية، حتى إن لم يكن لديهم طموح سياسى تقليدى.
دعم الاستقرار السياسى
يساهم وجود مجلس الشورى فى تخفيف العبء التشريعى والرقابى عن مجلس النواب، ويضمن مشاركة فئات مجتمعية أوسع، بما يدعم الاستقرار العام للنظام السياسي.
الانتخابات القادمة وأهمية خاصة!
تمر مصر بمرحلة دقيقة على الصعيدين الإقليمى والدولى؛ من الصراعات فى الجوار الإقليمى، مرورا بالتغيرات الاقتصادية العالمية، وهو ما يجعل الحاجة ماسة لمؤسسات تشريعية قوية تساند الدولة فى مواجهة هذه التحديات.
تأتى الانتخابات القادمة كمحطة أساسية لترسيخ الممارسة الديمقراطية فى البلاد، من خلال منافسة حقيقية تتيح للشعب اختيار ممثليه بحرية وشفافية.
يعد المجلس فرصة لتمثيل الفئات ذات الخبرات القانونية والعلمية والاقتصادية، خاصة أن النظام الانتخابى يمنح للرئيس حق تعيين نسبة من الأعضاء، بما يفتح الباب أمام مشاركة كفاءات وطنية مؤثرة.
تشكل الانتخابات المقبلة فرصة مهمة لمراجعة التفاعل بين الناخبين والمرشحين، خاصة فى ظل توسع أدوات التواصل الاجتماعى، ووعى المواطنين بأهمية المشاركة السياسية.
التحديات التى تواجه مجلس الشيوخ
على الرغم من عراقة الحياة البرلمانية المصرية، لا تزال هناك حاجة إلى تعزيز ثقافة الحوار الديمقراطى داخل أروقة المجلس، بما يعكس التنوع المجتمعى ويخدم المصلحة العامة. ويأتى التكامل بين غرفتى البرلمان ضرورة ملحة لضمان فعالية النظام التشريعى. ومن هنا تبرز أهمية وضع آليات عمل مشتركة وتنسيقية بين المجلسين. كما أن المجالس النيابية تحتاج لبناء علاقة ثقة مع المواطن، وهذا يتطلب أداء جادا، وتواصلا مستمرا مع القواعد الشعبية، واهتماما حقيقيا بقضايا المواطن اليومية.
مع تصاعد الضغوط الاقتصادية، وتحديات التنمية المستدامة، يقع على المجلس مسؤولية طرح رؤى بناءة لمساندة الحكومة، وتقديم مقترحات لحلول عملية قابلة للتنفيذ.
التجربة البرلمانية لمجلس الشيوخ منذ 2020
منذ إعادة انتخابه عام 2020، قام المجلس بعدد من المهام التشريعية والاستشارية، أبرزها:
> دراسة مشروعات قوانين مكملة للدستور.
> تقديم توصيات فى السياسات العامة.
> عقد جلسات استماع لقضايا حيوية مثل التعليم والصحة والاقتصاد.
> إصدار تقارير دورية حول أداء الحكومة وخطط التنمية.
ومع ذلك، يظل أداء المجلس محل تقييم مستمر من الرأى العام، الذى يطمح لرؤية دور أكبر للمجلس فى الحياة العامة.
آمال وتطلعات
مع اقتراب موعد الانتخابات، تتزايد الآمال فى أن تكون هذه الدورة محطة جديدة لدفع الحياة السياسية للأمام، عبر:
> منافسة نزيهة تتيح فرصا حقيقية لكل الأطياف.
> اختيار شخصيات تتمتع بالكفاءة والخبرة.
> تعزيز التمثيل الشبابى والنسائى.
> تجسيد مفهوم المجلس كمنصة للحوار الوطنى الشامل.
كيف يمكن للمواطن المساهمة فى إنجاح العملية الانتخابية؟
المشاركة الإيجابية فى الانتخابات واختيار من يمثل تطلعاته متابعة أداء الأعضاء بعد انتخابهم ومحاسبتهم سياسيا التفاعل مع الحملات الانتخابية بوعى، بعيدا عن الشعارات الفضفاضة تحفيز المحيطين للمشاركة باعتبار الانتخابات حقا وواجبا.
إن مجلس الشورى، أو مجلس الشيوخ وفق تسميته الحالية، يظل جزءا لا يتجزأ من البناء الديمقراطى للدولة المصرية. ومع كل انتخابات، تتجدد الآمال فى أن يسهم المجلس فى دعم الاستقرار السياسى، وتعزيز الحوار المجتمعى، وتحسين جودة التشريع، بما ينعكس إيجابيا على الوطن والمواطن. الانتخابات القادمة ليست مجرد استحقاق دستورى، بل فرصة حقيقية لتجديد دماء الحياة البرلمانية، وإرساء قواعد المشاركة الشعبية الواعية، فى مرحلة دقيقة من تاريخ مصر الحديث. ولعل الدور القادم للمجلس سيكون أكثر فاعلية مع تزايد الوعى الشعبى، ورغبة القيادة السياسية فى تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ دولة القانون والديمقراطية.