مرفت عبدالعزيز
تلعب وكالات التصنيف الائتماني (CRAS) دورا محوريا في الأسواق المالية. يرتكز هذا الدور على توفير المعلومات الخاصة بالجدارة الائتمانية، أي قدرة الأفراد أو الشركات أو الحكومات على الوفاء بالتزاماتهم المالية. وتمنح هذه الوكالات تصنيفات ائتمانية للبلاد بناء على قوة اقتصادها ومدى قدرة حكوماتها على سداد الديون. ويؤثر هذا الأمر بشكل مباشر على تكلفة الاقتراض في الأسواق المالية، فالتصنيف الائتماني المرتفع يعني سعر فائدة أقل بينما يعني التصنيف الائتماني المنخفض سعر فائدة أعلى. من هنا تتمتع هذه الوكالات بتأثير هائل على توقعات السوق وقرارات الإقراض للمستثمرين من القطاعين العام والخاص، كما تعد التصنيفات الائتمانية التي تقدمها هذه الوكالات خطوة أولى للحصول على رؤوس الأموال اللازمة للتنمية خاصة مع انخفاض المساعدات الإنمائية الرسمية بسبب الأزمات العالمية.
أشهر الوكالات
تشمل وكالات التصنيف الائتماني المعترف بها عالميا عدة وكالات، أشهرها الوكالات الغربية الثلاث: موديز وفيتش وستاندرد أند بورز، والأولى هي وكالة تصنيف ائتماني أمريكية وتسيطر على ما يقرب من نصف سوق تقييم القدرة الائتمانية في العالم، أما وكالة فيتش فتأتي في المرحلة الثالثة ضمن وكالات التصنيف الائتماني العالمية، أما وكالة ستاندرد أند بورز الأمريكية أيضا فتقدم تصنيفات ائتمانية قصيرة وطويلة الأجل. وإلى جانب الوكالات الثلاث الشهيرة تأتي وكالة دي بي أر أس ووكالة تشاينا تشينجسكين انترناشيونال الصينية ، ووكالة جيه سي أر اليابانية.
ويتم تصنيف الجدارة الائتمانية وفقا لأكثر من متغير منها نوع الجهة التي يتم التصنيف بشأنها، من هنا نجد تصنيفا ائتمانيا للشركات وتصنيفا ائتمانيا سياديا يعكس مستوى المخاطر المرتبطة بالاستثمار في ديون دولة معينة. كما يتم تصنيف الجدارة الائتمانية بناء على مستوى المخاطر الائتمانية إلى تصنيف ائتماني استثماري وتصنيف ائتماني من فئة المضاربة.
نقاط الضعف
وقد كان نموذج العمل الذي تتبعه هذه الوكالات موثوقا به إلى حد كبير حتى أظهرت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وأزمة الديون السيادية اللاحقة أن الاعتماد المفرط على التصنيفات الائتمانية الخارجية قلل من قدرة المستثمرين على تقييم المخاطر الائتمانية، وسبب اضطرابا هيكليا في الأنظمة المالية. وظهرت ثغرات واضحة في الأساليب والنماذج المستخدمة من قبل وكالات التصنيف الائتماني كشفت عن نقص الاستقلالية وتضارب المصالح وغياب الشفافية.
تحديات البلدان النامية
والحقيقة أن نقاط الضعف التي اكتنفت نموذج عمل وكالات التصنيف الائتمانية لم تظهر آثارها فقط في المجتمعات المتقدمة كما هو الحال في أوربا وأمريكا الشمالية، بل إن آثارها الأكبر ظهرت على الدول النامية منخفضة الدخل. فوفقا لرؤية الكثير من البلدان النامية- خاصة الدول الإفريقية منخفضة ومتوسطة الدخل - يعد التصنيف الذي تتبعه وكالات التصنيف الائتماني تصنيفا غير عادل وشديد التحيز ضدها، وذلك بسبب المخاطر المبالغ فيها التي أنشأها نظام التصنيف السيادي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD ووكالات التصنيف الائتماني الدولية الثلاث الكبرى.
تكلفة التحيز
وفقا لوجهة النظر السابقة يؤثر التحيز في أداء وكالات التصنيف الائتماني بشكل كبير على اقتصاديات الدول النامية وتكاليف اقتراضها من خلال عدة آليات: أولها ارتفاع تكاليف الاقتراض والتأمين على الاستثمار وصعوبة الوصول للأسواق، حيث تواجه الاقتصادات النامية ذات التصنيفات الائتمانية الضعيفة ارتفاعا كبيرا في تكلفة الاقتراض، ويطلب منها أسعار فائدة أعلى بنحو 20 نقطة فوق سعر الفائدة القياسي العالمي وأكثر من تسعة أضعاف أسعار الفائدة المطبقة على اقتصادات الدول النامية ذات التصنيف الأفضل. فتضطر هذه الدول لدفع مبالغ إضافية وتكاليف تمويل أعلى للمشروعات التي يمكن تمويلها بتكلفة أقل. ومما يزيد من تفاقم المشكلة تلك الرسوم الإضافية التي يفرضها صندوق النقد الدولي على القروض. فهذه الرسوم يمكن أن تضيف 3% إضافية إلى أسعار الفائدة على المقترضين الأكثر مديونية.
التوقف عن الإصدار
وللأسف كلفت هذه التصنيفات المتحيزة البلاد الإفريقية ما يصل إلى 74.5 مليار دولار في عام 2023 وهي مبالغ كان من الممكن استخدامها في سداد الديون والاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية. وقد ترتب عليها في بعض الأحيان حرمان اقتصادات هذه الدول من الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية لسنوات وعدم قدرتها على إصدار أية سندات دولية في ظاهرة وصفها خبراء البنك الدولي بأطول فترة جفاف في إصدار السندات منذ الأزمة المالية العالمية وفقا لما نشرته مدونة البنك الدولي.
حلقة مفرغة
أما التأثير السلبي الثاني لهذا التحيز في التصنيف الائتماني فناجم عن الخوف من خفض هذا التصنيف. وذلك لأن هذا الخوف يثبط الكثير من الدول النامية خاصة الإفريقية من المشاركة في مبادرات تخفيض الديون خشية أن يؤدي ذلك إلى تهميشها في أسواق رأس المال العالمية، كما أن التصنيف الائتماني المنخفض يؤدي إلى تضخيم المخاطر المتصورة مما يصعب عملية جذب الاستثمارات.
زيادة الفقر
أما التأثير الثالث لهذه التصنيفات الائتمانية المتحيزة فيكمن في الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت سكان ما يقرب من نصف الاقتصادات النامية ذات التصنيفات الائتمانية الضعيفة أفقر في المتوسط في عام 2024 مما كانوا عليه في عام 2019. فالتصنيفات السلبية تؤدي إلى الحد من الاستثمار في الحماية الاجتماعية والغذاء والصحة والتعليم وتقلل من الجهود المبذولة لمكافحة الفقر. وأحيانا تضطر بعض الدول تحت ضغط وكالات التصنيف للموافقة على إصلاحات قاسية مثل خفض الأجور وتقليص الإنفاق الحكومي لتحسين التصنيف الائتماني، وهو ما قد يعتبره البعض نوعا من الابتزاز من قبل هذه المؤسسات لأنه يجبر الدول على اتخاذ قرارات سيادية قد تؤدي إلى معاناة اجتماعية.
سياسات التقشف
ومن التأثيرات السلبية أيضا لهذا التحيز في التصنيف الائتماني، كما تؤكد الدول الإفريقية الفقيرة ودراسات منظمة الأونكتاد التوصيات السياسية السلبية لوكالات التصنيف الائتماني التي تفرض سياسات التقشف على الحكومات في الاقتصادات الناشئة، وتتسم بتقييد وإعاقة برامج التحفيز المالي ورفض السياسات التوسعية مثل الإنفاق الحكومي والإعفاءات الضريبية التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة الطلب الاستهلاكي وتشجيع الاستثمار الخاص وخلق فرص العمل وتحفيز النمو الاقتصادي. لكن على العكس من ذلك توصي هذه الوكالات بهذه السياسات التوسعية بشدة في الدول الأوربية وأمريكا تحت مسمى التيسير النقدي أو خطط الإنقاذ.
تضارب المصالح
ولا يعد التحيز في التصنيف ضد الدول الفقيرة العيب الوحيد لوكالات التصنيف الائتماني، فهذه الوكالات تعاني أيضا من بعض العيوب الهيكلية وعلى رأسها تضارب المصالح. فوفقا لتأكيدات منظمة الأمم المتحدة تحصل هذه الوكالات على أموالها من الجهة التي تصدر السندات أو أدوات الدين أي الشركات أو الحكومات التي تصدر الديون وتحتاج إلى تصنيف ائتماني، ومن ثم قد تكون الوكالة أقل حيادية أو أكثر ميلا لمنح تصنيف مرتفع لجذب العملاء أو الاحتفاظ بهم مما يضعف من درجة الثقة في التصنيفات الائتمانية. إزاء ذلك اقترح البعض البحث عن نموذج عمل جديد يجعل وكالات التصنيف أكثر حيادية كأن يدفع المال لهذه الوكالات المستثمرون أو بعض الجهات المستقلة، أو البحث عن نماذج تمويل أخرى تقلل تعارض المصالح. خاصة بعد أن وجدت الدول الفقيرة أنها تدفع مبالغ كبيرة كجزء من تكاليف التقييم لوكالات التصنيف الائتماني، ومع ذلك يستخدم المستثمرون الباحثون عن الربح هذه المعلومات لصالحهم الأمر الذي يعني أن هذه الدول تتعرض للاستغلال بأكثر من طريقة.
احتكار القلة
فضلا عن التحيز في عمليات التقييم وعن تضارب المصالح، يشوب عمل هذه الوكالات أيضا سلبيات الاحتكار، فالوكالات الثلاث الكبرى تسيطر على أكثر من 92 % من السوق العالمي، ومن ثم تنعدم الحاجة إلى تحسين آليات عمل هذه الوكالات وتحسين جودة التصنيفات. كما تعاني هذه الوكالات من نقص كبير في الشفافية، إذ أنها لا تكشف غالبا بشكل واضح عن المنهجيات والمعايير التي تعتمد عليها في تقييم الجدارة الائتمانية، وإذا أخطأت الوكالة أو تصرفت بطريقة غير مهنية لا توجد جهة تفرض عليها عقوبة أو تصحح خطأها، ولا توجد هيئات تنظيمية قوية تراقب عملها بشكل دقيق.
النبؤات حتمية التحقق
فضلا عن السلبيات السابقة يكتنف نموذج عمل هذه الوكالات مشكلة أخرى يطلق عليها الخبراء اسم: النبؤات حتمية التحقق. ويقصد بهذا أنه أثناء الأزمات الاقتصادية تقوم وكالات التصنيف بخفض التصنيف الائتماني للدول، وهو ما يصعب عليها الحصول على تمويل أو يزيد من تكاليف اقتراضها، فتتافقم الأزمة المالية، أي أن التصنيف السيئ في حد ذاته أصبح نبوءة تتحقق بسبب تأثيره السلبي على الوضع الاقتصادي، ومن ثم تصبح التصنيفات الائتمانية جزءا من حلقة مفرغة تزيد من حدة الأزمات الاقتصادية بدلا من تخفيفها. وقد دفع هذا الأثر السلبي الخبراء والمنظمات العالمية إلى مطالبة وكالات التصنيف الائتماني بإرجاء إصدار التصنيفات أثناء الأزمات والكوارث الطبيعية، لأن الإعلان عن التصنيفات السلبية قد يعيق تنفيذ إجراءات احتواء الأزمات.
28 اقتصادا في أزمة
نتيجة لكل هذه السلبيات أكد البنك الدولي العام الماضي أن الممارسات الحالية لوكالات التصنيف الائتماني تسببت في إبقاء 28 اقتصادا ناميا وهي الاقتصادات ذات التصنيف الائتماني الأضعف عالقة في شرك الديون دون أمل في الخروج من هذا الشرك في القريب. وجعلت متوسط نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي في هذه الاقتصادات يصل إلى نحو 75 % في نهاية عام 2023.
صرامة المعايير
وتؤكد وكالات التصنيف الائتماني التزامها بمعايير شديدة الصرامة في التصنيفات التي تقدمها. وتؤكد وكالة ستاندرد أند بورز في هذا السياق، أن معاييرها للحصول على تصنيف A مرتفعة للغاية، حيث تأخذ في اعتبارها عوامل عديدة، منها دعم سوق رأس المال والقوة المؤسسية ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ووحدة الميزانية، ووضع الدائن الصافي أي الذي لم تتأثر مستحقاته سلبا، والكثير من المرونة النقدية مع سجل منخفض للتضخم.
الخروج من النفق
في النهاية لم يقتصر الأمر على اتهامات الدول الفقيرة ودفاعات وكالات التصنيف الائتماني عن نفسها، بل بدأت بعض المحاولات لإنشاء هيئات رقابية أو وضع قوانين لضبط عمل هذه الوكالات كما هو الحال في الولايات المتحدة وأوربا بعد احتدام أزمة الرهن العقاري في عام 2008، التي كشفت عن أن غياب الرقابة والمساءلة على وكالات التصنيف أدى إلى تقييمات غير دقيقة زادت من تعقيد الأزمة وتفاقمها، مما كلف الاقتصاد العالمي خسائر كبيرة، وأحدث ضررا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا. وقام الاتحاد الأوروبي بإجراء تغييرات على الإطار التنظيمي لوكالات التصنيف الائتماني في الداخل بشكل كبير بين عامي 2009 و2013 لتعزيز النزاهة والشفافية والمسئولية. وتم منح الهيئة الأوربية للأوراق المالية والأسواق ESMA الإشراف المركزي الوحيد على وكالات التصنيف الأوروبي.
كما بدأت الدول الإفريقية تبذل جهودا كبيرة لمواجهة ما أسمته احتكار وكالات التصنيف الغربية، فدعت لإنشاء وكالة التصنيف الائتماني الإفريقية AFCRA بتمويل من أصحاب المصلحة في القطاعين العام والخاص. غير أن التصنيفات الإفريقية تعاني من نقص البيانات أو رداءاتها، بل ويؤكد البعض أنها بعيدة عن الشفافية وعن الحقائق الوطنية.
ولم تترك المنظمات الدولية الدول الإفريقية وحدها في معترك الدفاع عن مصالحها في مواجهة وكالات التصنيف الائتماني، فظهرت مبادرة الأمم المتحدة الإنمائية للتصنيفات الائتمانية UNPD CREDIT RATINGS INITIATIVE التي تم إطلاقها في عام 2024 لتعزيز جهود الحكومات الإفريقية في تحسين المشاركة وتعزيز التقييمات بصورة أكثر شفافية ومبنية على الأدلة.
أما البرازيل فأطلقت مبادرة NTN-G التي تهتم بممارسات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات وتقنية الترميز لتحويل أرصدة الكربون إلى أصول مالية. وتهدف البرازيل من المبادرة إلى تحسين الصورة المؤسسية للدولة وتقليل تكلفة الدين العام. فالمفترض أن يؤدي الالتزام بهذه الممارسات إلى تصنيفات ائتمانية أفضل وتكاليف اقتراض أقل، حيث يؤدي دمج الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات في التصنيفات الائتمانية إلى الاعتراف بتأثير الممارسات البيئية والاجتماعية على المخاطر الائتمانية.