مثال فريد على إرادة المصريين في صون تراثهم وتحويله إلى قوة دافعة لعجلة التنمية
أضخم المشروعات الثقافية في العالم لتجسيده رؤية طموحة لمستقبل عرض الآثار المصرية
دلالة رمزية تربط بين الماضي الذي لا يُنسى والمستقبل الذي يُبنى.
مدرسة علمية جديدة للترميم قادرة على قيادة العمل الأثري في المنطقة
حكاية إنسانية وجهد مصري خالص وراء كل حجر في المتحف
محمود مسعد
يقف المتحف المصري الكبير (GEM)، هذا الصرح العملاق، على بعد أميال قليلة من غرب القاهرة، بالقرب من أهرامات الجيزة الخالدة، ليصبح أكبر متحف في العالم مخصص للآثار، لم يُصمم هذا المشروع ليكون مجرد خزانة للماضي، بل مركزا ثقافيا متكاملا يستوعب 5 ملايين زائر سنويا، ومركزا حضاريا متكاملا.
من خلف واجهته الزجاجية المبهرة التي تعكس صورة أهرامات الجيزة الثلاثة، يتجسد مشهد طال انتظاره عقدين من الزمن؛ حيث يقف المتحف المصري الكبير عند نقطة التقاء الحاضر بالماضي، شاهدا على واحدة من أضخم المشروعات الثقافية في العالم. إنه مثال فريد على إرادة المصريين في صون تراثهم وتحويله إلى قوة ناعمة تدفع بعجلة التنمية والسياحة والاقتصاد الوطني.
يتجاوز هذا المركز الثقافي المتكامل مفهوم المتحف التقليدي ليضم مبانٍ للخدمات التجارية والترفيهية، ومركزا عالميا للترميم، بالإضافة إلى حديقة متحفية فريدة ستُزرع بها الأشجار التي كانت معروفة لدى المصري القديم.
بتكلفة تُقدر بنحو 550 مليون دولار، شرعت مصر في تنفيذ هذا الحلم الطموح، بدعم بارز من اليابان من خلال قرض ميسر بقيمة 300 مليون دولار، وقد تمثلت أولى محاولات جمع التمويل اللازم لبناء هذا الصرح في معرض «توت عنخ آمون والعصر الذهبي الفرعوني» الذي أُقيم في لوس أنجلوس.
إن مشروع المتحف المصري الكبير هو أحد أضخم المشروعات الثقافية في العالم، ليس فقط من حيث مساحته أو ضخامة محتوياته التي ستضم أكثر من 100.000 قطعة أثرية من العصور الفرعونية، واليونانية، والرومانية، بل لأنه يجسد رؤية طموحة لمستقبل عرض الآثار المصرية، مما سيعطي دفعة كبيرة لقطاع السياحة في مصر.
ولم يكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس بالأمر اليسير، بل مر بتسلسل دقيق من المراحل التصميمية والتنفيذية لضمان خروج هذا الصرح العملاق بأبهى صورة وأدق تفصيل، وفيما يلي تفصيل للمراحل الأربع الأساسية التي مر بها المشروع:
لم يكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس بالأمر اليسير، بل مر بتسلسل دقيق من المراحل التصميمية والتنفيذية لضمان خروج هذا الصرح العملاق بأبهى صورة وأدق تفصيل. وفيما يلي تفصيل للمراحل الأربع الأساسية التي مر بها المشروع:
أولا: الرؤية والمسابقة المعمارية (ما قبل 2003)
شملت هذه المرحلة التخطيط الأولي، وتحديد التكلفة، وإرساء الأساسات التصميمية والفنية. وضع حجر أساس المشروع الرئيس حسني مبارك في فبراير 2002، وفي إطار دولي واسع، تم الإعلان عن مسابقة معمارية دولية برعاية هيئة اليونسكو لتصميم أكبر متحف للآثار المصرية في العالم بجوار هضبة الأهرام.
استقطبت المسابقة مشاركة هائلة، حيث تقدم معماريون واستشاريون من 83 دولة بما مجموعه 1557 مشروعا وتصورا معماريا، وفي يوليو 2003، تم توزيع ج وائز المسابقة التي وصل مجموعها إلى 750 ألف دولار، وقد شارك في التصميم الفائز 14 مكتبا استشاريا من 5 دول مختلفة، واستغرقت دراسة المشروع الفائز 3 سنوات بتكلفة بلغت 2 مليون دولار، وتم توثيقها في 8 مجلدات ضخمة.
ثانيا: المراحل الهندسية والتصميمية (من 2003 إلى 2008)
ركزت هذه الفترة على تحويل الفكرة التصميمية الفائزة إلى رسومات ونظم هندسية وفنية متكاملة، حيث بدأت المرحلة الأولى، «ما قبل التصميم» (نوفمبر 2003 – مايو 2004)، بإجراء دراسات هندسية وفنية شاملة وتحضير كل العناصر اللازمة للتصميم الابتدائي. تلتها «مرحلة التصميم الابتدائي» (أغسطس 2004 – يونيو 2005) التي شهدت إعداد الرسومات الهندسية للمرحلة النهائية، وشهدت هذه الفترة البدء الفعلي لأعمال البناء والتشييد بالتوازي مع عملية التصميم في مايو 2005. ثم جاءت «مرحلة التصميم التفصيلي» (إبريل 2006 – إبريل 2007) التي تم خلالها دراسة تفصيلية لجميع بنود المتحف، وعقد اختبارات الجودة على المواد والتصميم والنظم المتوقعة، وختمت هذه الفترة بمرحلة «التصميم المتكامل» (أغسطس 2007 – سبتمبر 2008)، حيث أتم فريق التصميم إعداد تصميم متكامل يربط بين جميع التخصصات الهندسية للمشروع.
ثالثا: تنفيذ البنية التحتية والمرافق (المباني الخدمية)
بدأت المرحلة التنفيذية للمباني الخدمية بـ تأسيس الموقع والبنية التحتية الأساسية، والتي استغرقت نحو 6 أشهر، وتضمنت إخلاء الموقع من الإشغالات، وإزالة المخلفات، وبناء أسوار بطول 3 كيلومترات، وتجهيز موقع آمن مخصص لنقل تمثال رمسيس الثاني، بالإضافة إلى تمهيد الطرق الداخلية وتأمين وإضاءة الموقع بالكامل.
عقب ذلك، بدأت أعمال بناء مراكز التشغيل والترميم في يوليو 2006 واستمرت 21 شهرا، وتم التعاقد لبناء مركز ترميم الآثار (RCC)، الذي جُهز لاحقا بأحدث المعدات لإعداد 100 ألف قطعة أثرية للعرض، وكذلك إنشاء محطتي الطاقة الكهربائية (المزودة بوحدات التكييف والتحكم البيئي)، ومحطة إطفاء الحريق، ومبنى الأمن والمخازن الأثرية.
بلغت تكلفة هذه المرحلة نحو 240 مليون جنيه (ما يعادل 43 مليون دولار)، بتمويل كامل من صندوق تمويل الآثار، وتُوِّجت هذه الجهود بـ الافتتاح الجزئي للمرحلة الثانية في 14 يونيو 2010، حيث أصبحت المباني الخدمية ومراكز الترميم جاهزة للعمل، مما سمح ببدء عمليات ترميم المقتنيات الأثرية بالتوازي مع استكمال أعمال التشييد للمبنى الرئيسي للمتحف.
رابعا: المراحل الإنشائية الكبرى (المبنى الرئيسي وقاعات العرض)
تمثل هذه المراحل تتويجا للجهود، حيث تركزت على تشييد الهيكل المعماري الضخم للمتحف وتهيئته لاستقبال الزوار، وبدأت بـ المرحلة الأولى: الحفر والتسوية (حتى فبراير 2009)، والتي تضمنت أعمال حفر وتسوية مستمرة على مدار الساعة، تم خلالها إزالة 2.25 مليون متر مكعب من الرمال لإتاحة المساحة اللازمة للمبنى الرئيسي. تلتها المرحلة الثانية: التشييد الرئيسي، التي بدأت عام 2012 ولا تزال مستمرة في استكمال الأعمال النهائية، وشملت تشييد المبنى الرئيسي على مساحة 108 آلاف متر مربع، بما في ذلك صالات العرض المتحفي، متحف الدارسين، مركز المؤتمرات والسينما، المكتبة الأثرية، متحف الطفل، متحف ذوي الاحتياجات الخاصة، المركز الثقافي.
تتويج لجهود سنوات طويلة
أوضح الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير، أن هذه المرحلة الأخيرة تمثل تتويجا لجهود سنوات طويلة من العمل الدؤوب، مؤكدا أن الافتتاح سيتزامن مع الذكرى 103 لاكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون، في دلالة رمزية تربط بين الماضي الذي لا يُنسى والمستقبل الذي يُبنى.
لكن وراء هذه الواجهة الباهرة، تكمن قصة إنسانية وتنموية لا تقل إبهارا عن آثار المتحف نفسه، فالمتحف المصري الكبير ليس مجرد مشروع معماري، بل ثمرة تعاون مصري ياباني استثنائي بدأ منذ عام 2008 عبر الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، التي قدمت قرضين للمساعدة الإنمائية الرسمية بلغت قيمتهما نحو 800 مليون دولار أمريكي، إلى جانب دعم فني ومعرفي امتد لأكثر من عقد ونصف من الزمن.
على مدار 3 مراحل متتالية، تَكوَّن فريق مصري من المرممين والباحثين الشباب الذين تلقوا تدريبهم على أيدي خبراء يابانيين في أرقى مؤسسات حفظ التراث بطوكيو.
بدأت القصة بإنشاء قاعدة بيانات علمية دقيقة للقطع الأثرية وتطوير نظم الحفظ والترميم، قبل أن يتحول مركز الترميم بالمتحف المصري الكبير (GEM-CC) إلى واحد من أهم المراكز المتخصصة في العالم.
هناك، لا يعمل الخبراء المصريون فقط على ترميم كنوز المتحف، بل يضعون أسس مدرسة علمية جديدة قادرة على قيادة العمل الأثري في المنطقة لعقود قادمة.
ومن أبرز نتائج هذا التعاون، المشروع المشترك لترميم وعرض 72 قطعة أثرية مختارة بعناية من كنوز الملك توت عنخ آمون من بينها السرير الذهبي والعربات والملابس الملكية وكلها تُعرض لأول مرة في قاعات العرض الكبرى التي جُهزت وفق أحدث المعايير العالمية.
كما امتد التعاون إلى التنقيب عن مركب خوفو الثاني (المركب الشمسي)، أحد أهم الاكتشافات التي ستُعرض ضمن مقتنيات المتحف، في استمرار لشراكة علمية بين مصر واليابان تُجسد مفهوم «الاستثمار في المعرفة والتراث».
قلب المشروع.. المصريون
إن المتحف المصري الكبير، بما يحمله من رمزية وطنية وإنجاز حضاري، ليس مجرد مشروع ثقافي ضخم، بل هو مرآة لقدرة المصريين على تحويل الحلم إلى واقع، ولرؤية تنموية تدرك أن الاستثمار في الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن الاستثمار في الصناعة أو البنية التحتية.
وفي قلب المشهد، يقف تمثال رمسيس الثاني شامخا في بهو المدخل، كأن الزمن انحنى ليصافح المجد القديم، ومن هنا يبدأ الزائر رحلته داخل هذا الصرح الذي يمتد على مساحة نصف مليون متر مربع، خُطّط بعناية ليحكي قصة مصر عبر الحجر والضوء.
أرقام تروي الحكاية
تبدأ الرحلة من ميدان المسلة المصرية بمساحة 27 ألف متر مربع، حيث تواجه الواجهة المهيبة للمتحف «حائط الأهرامات» بعرض 600 متر وارتفاع 45 مترا، تقود الداخل إلى عالم من الدهشة البصرية والهندسية. وتتوزع القاعات داخل المتحف، كصفحات من كتاب الحضارة: الدرج العظيم الذي يحتضن 87 قطعة أثرية ضخمة بارتفاع يعادل 6 طوابق.
وتتفرع منه قاعة الملك توت عنخ آمون على مساحة 7.5 ألف متر مربع تضم أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك مجتمعة لأول مرة، تليها قاعات العرض الدائم بمساحة 18 ألف متر مربع تحوي مقتنيات الحضارة المصرية القديمة، وقاعات العرض المؤقت بمساحة 5 آلاف متر مربع لأربعة معارض متغيرة.
أما متحف الطفل، فقد صُمم على مساحة 5 آلاف متر مربع ليخاطب خيال الأجيال الجديدة بوسائط تفاعلية متعددة، فيما تقدم فصول الحرف والفنون وقاعات ذوي القدرات الخاصة والمكتبات المتخصصة نموذجا فريدا للدمج الثقافي والمعرفي.
مساحات تروي الحضارة
وعلى أطراف المتحف، تمتد حدائق أرض مصر والمعبد والطفل على عشرات الآلاف من الأمتار، التي تحاكي روح مصر القديمة، إلى جانب مطاعم بإطلالة على الأهرامات، وساحات تجارية تضم 28 متجرا و30 كشكا، وموقف سيارات على مساحة 30 ألف متر مربع، كل تفصيلة فيها تنطق بروح المكان وتخدم زائرا جاء من كل أرجاء العالم ليعيش تجربة حضارة كاملة.
وراء كل حجر في هذا المتحف، حكاية إنسانية وجهد مصري خالص، فقد تم نقل أكثر من 51 ألف قطعة أثرية إلى المتحف في رحلة امتدت لسنوات، منها ما جرى ترميمه بأيد مصرية بارعة تجاوز عددها 50 ألف قطعة، لتعود للحياة من جديد، ومن بين هذه الكنوز 5340 قطعة من مجموعة الملك توت عنخ آمون، و1006 قطع نُقلت إلى المتحف بعد استخراجها من مركب خوفو الثانية.
وبينما يستعد المصريون والعالم لافتتاح هذا الصرح في نوفمبر المقبل، تقف الأهرامات شامخة خلف واجهة المتحف الجديدة، كأنها تبارك عودة روح الحضارة المصرية القديمة في ثوبها الحديث «حضارة تتجدد لتبقى، وتُثبت أن في قلب كل حجر من أحجارها قصة إنسانية واقتصادية تروى للعالم بلغات متعددة، أهمها لغة الإبداع والإرادة».
أرض قاحلة تنتظر التحول.. ميلاد الأيقونة الهندسية
تُظهر اللقطات الأرشيفية من «جوجل إيرث» منطقة موقع المتحف المصري الكبير قبل بدء الأعمال الإنشائية كقطعة أرض صحراوية مترامية الأطراف، تقع على حافة الهضبة غرب القاهرة. كانت هذه المنطقة، التي تتميز بقربها الاستراتيجي من أهرامات الجيزة، مجرد مساحة غير مستغلة، خالية من أي معالم عمرانية ضخمة. هذه الصورة «قبل» التشييد لا تعكس سوى إمكانية هائلة تنتظر التفعيل، وتبرز التحدي اللوجستي والهندسي الذي كان ينتظر القائمين على المشروع لتحويل هذه البقعة الجافة إلى مركز ثقافي عالمي.
بالمقارنة، تُظهر صور «جوجل إيرث» اللاحقة تحولا جذريا في المشهد. فقد ارتفع «المتحف المصري الكبير» كمنشأة عملاقة ذات تصميم هندسي فريد، يتميز بشكله المثلثي المعقد وتدرجه الزمني نحو الأهرامات. تبرز الصورة المنظر المهيب للمبنى الضخم الذي أصبح معلما بارزا في المنطقة، محاطا بمساحات خضراء شاسعة ومواقف منظمة. هذا التحول من أرض صحراوية إلى صرح معماري ضخم لا يجسد فقط نهاية المراحل الإنشائية، بل يمثل ميلاد أيقونة حضارية جديدة على الخريطة العالمية.