رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
إيمان عراقي

ملفات

الحرب النووية المالية.. كيف يتمزق النظام المالى العالمى؟

26-11-2025 | 17:02

بعيدا عن ضجيج الصواريخ ودخان المعارك، تدور اليوم حرب أكثر صمتا وتأثيرا، حرب على البنية التحتية التى يقوم عليها الاقتصاد العالمى. لم تعد المعركة على ميادين النفوذ العسكرى فحسب، بل على من يتحكم فى شرايين الاقتصاد العالمى: تدفقات المال والبيانات والمعلومات. فالعالم يشهد تفككا جيو-اقتصاديا عنيفا، لا يهدد فقط بتمزيق النظام المالى الموحد الذى حكم العالم لعقود، بل باستبداله بمجموعات متناثرة من القلاع المالية المتنافسة التى تفصل بينها جدران رقمية منيعة.

 

«سويفت».. السلاح النووى للنظام المالى العالمي

 

لأكثر من نصف قرن، شكلت جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (SWIFT) الجهاز العصبى المركزى للنظام المالى العالمى. لم تكن بنكا ولا نظام تسوية، بل مجرد «ساعى بريد» رقمى آمن وموثوق، ينقل أوامر الدفع بين أكثر من 10 آلاف مؤسسة مالية حول العالم. تلك الحيادية الظاهرية كانت مصدر قوتها وهيمنتها الفعلية.

 

غير أن نقطة التحول الحاسمة جاءت حين تحولت هذه الأداة التقنية إلى سلاح جيوسياسى بالغ التأثير. فبعد عزل البنوك الإيرانية عن نظام سويفت للمرة الأولى فى مارس 2012 جاءت اللحظة الفارقة فى مارس 2022 حين قررت القوى الغربية فصل كبرى البنوك الروسية عن الشبكة. هذه الخطوة، التى تم وصفها بأنها استخدام لـ «السلاح النووي» المالى، أرسلت صدمة مدوية ليس فقط إلى موسكو، بل إلى كل عاصمة حول العالم، من بكين إلى الرياض ونيودلهى. وكانت الرسالة واضحة وصارخة: من يعتمد كليا على البنية التحتية المالية الغربية، يضع اقتصاده بالكامل رهينة قرار سياسى قد يتخذ فى واشنطن أو بروكسل.

 

بدائل النظام الغربى.. تفكيك الهيمنة

 

كان الرد على «تسليح سويفت» حتميا وسريعا، إذ أدركت القوى الكبرى أن إنشاء أنظمة دفع بديلة لم يعد مشروعا نظريا، بل تحول إلى ضرورة أمنية واقتصادية عاجلة. وهكذا، نشهد اليوم سباقا عالميا يتسارع يوما بعد يوم.

 

التنين الصينى:

شرعت بكين فى بناء طريق مالى مواز عبر «نظام الدفع عبر الحدود باليوان» (CIPS)، كجزء من استراتيجيتها لتدويل العملة وتقليل الاعتماد على قنوات التسوية الغربية. ووفقا لبيانات CIPS الرسمية حتى منتصف عام 2025، بلغ عدد المشاركين المباشرين فى الشبكة 176 مؤسسة، بينما تجاوز عدد المشاركين غير المباشرين 1500 مشاركا، ويغطى النظام أكثر من 4900 مؤسسة مالية فى نحو 187 إلى 190 دولة ومنطقة، ما يمنح الشبكة انتشارا دوليا واسعا. كما أفادت تقارير رسمية وتحليلية بأن قيمة المعاملات السنوية عبر نظام CIPS فى عام 2024 اقتربت من 175 تريليون يوان (ما يتراوح بين 24.4 إلى 24.6 تريليون دولار)، مسجلة نموا سنويا يفوق 40 %، وهو ما يعكس وتيرة سريعة لاستخدام اليوان كوسيلة تسوية عبر الحدود.

 

وقد أظهر CIPS قدرة متزايدة على العمل بصورة مستقلة فى تسويات عديدة. كما تعمل بكين على توسيع الربط التجريبى مع أنظمة إقليمية أخرى، بما يجعل CIPS عنصرا استراتيجيا فى مشهد تعددية بنى الدفع الدولى، ويعكس فى نفس الوقت تزايدا تدريجيا فى استخدام اليوان كعملة تسوية عالمية، وإن كان لا يزال بعيدا عن منافسة الدولار أو اليورو من حيث الحجم الكلى.

 

نسبة حصة اليوان من إجمالى المدفوعات العالمية من يوليو إلى أكتوبر 2025 الشهر

المصدر: منظمة SWIFT والأهرام الاقتصادى

 

الدب الروسى يحصن قلعته:

 

اعتمدت موسكو استراتيجية مضادة تمثلت فى تطوير وتوسيع نظام الرسائل المحلى SPFS كبديل تكميلى يمكنه أن يحافظ على استمرار بعض قنوات الدفع والرسائل المالية فى مواجهة العقوبات الغربية. وبحسب بيانات رسمية ومصادر روسية متاحة حتى نهاية 2024 ومتابعات إعلامية وتقارير تقنية خلال 2025، ربط النظام نحو 177 مؤسسة مالية أجنبية من نحو 24 دولة، بالإضافة إلى أكثر من 584 منظمة محلية مستخدمة. كما سجل النظام نموا فى عدد الرسائل يقدر بنحو 23 % مقارنة بعام 2023. ويؤكد البنك المركزى الروسى أن النظام يعمل على مدار الساعة ويتيح انضمام المؤسسات الأجنبية عبر اتصال مباشر أو عبر مكاتب خدمة، مع إطار رسوم تشغيلى منخفض نسبيا للرسالة الواحدة.

 

ومع وضع SPFS فى إطار الاستخدام العملى، يجب التمييز بين دورين: الأول داخلى ومحلى بتأمين رسائل الدفع للمعاملات الروسية الداخلية وذات الصلة بالشركاء الموثوقين، والثانى علنى ودبلوماسى يتمثل فى محاولة تقديم بديل محدود للوصول الدولى عبر ربط اختبارى مع أنظمة أجنبية. ومن ثم، فإن الربط التقنى مع أنظمة مثل UPI الهندى أو CIPS الصينى وارد وهو محل اختبارات ومداولات تقنية ودبلوماسية، لكنه حتى أكتوبر الماضى لا يزال فى معظم الحالات على مستوى اختبارات واتفاقات مبدئية وليس تشغيلا متكاملا وواسع النطاق.

 

المثير للاهتمام، أن الانضمام أو التفاعل مع SPFS من قبل مؤسسات أجنبية يحمل مخاطر تنظيمية وقانونية، إذ حذرت جهات رقابية وغربية من مخاطر التعرض لعقوبات ثانوية محتملة، ما يجعل بعض البنوك الدولية مترددة حيال دمج SPFS الكامل فى عملياتها.

 

وتشير تقارير دولية، من بينها مراجعات نشرتها صحيفة Financial Times ووكالة Reuters فى منتصف 2025، إلى أن حجم شبكة SPFS لا يزال محدودا مقارنة بشبكات الدفع الغربية الكبرى، رغم توسعه التدريجى.

 

باختصار، أصبح SPFS أداة عملية مهمة فى استراتيجية القدرة على الصمود المالى لموسكو، لكنه حتى الآن يظل أصغر نطاقا من البدائل العالمية الكبرى ويعمل كجزء من شبكة بدائل متنامية لا تزال تواجه قيودا تنظيمية وفنية وسياسية تعوق استبدالا كاملا وفوريا لبنى الدفع العالمية الغربية.

 

غير أن قدرة موسكو على تحويل SPFS إلى بديل فعلى شامل تظل مرهونة بمدى تقبل الأسواق الدولية له، وهو ما يبدو محدودا فى الأفق المنظور. وبالتالى يبقى مستقبل هذا النظام مرهونا بمدى قدرة موسكو على تجاوز العزلة المالية الغربية، وإقناع شركائها بجدواه كجزء من منظومة مالية متعددة الأقطاب.

 

إعلان الاستقلال النقدي

لم تعد هذه الأنظمة مجرد تقنيات دفع أو شبكات لتحويل الأموال، بل تمثل بدرجة ما إعلانا صريحا عن استقلال نقدى واستراتيجى من مراكز الهيمنة الغربية التقليدية. ففى بيئة مالية عالمية كانت فيها «سويفت» أداة قادرة فعلا على فصل اقتصاد أى دولة عن شرايين التجارة الدولية بضغطة زر فى واشنطن أو بروكسل، جاءت شبكتى «CIPS» الصينية

 

و «SPFS» الروسية كرد مؤسسى يسعى إلى إعادة رسم موازين القوة النقدية والتحكم فى التدفقات العابرة للحدود بعيدا عن الدولار ونفوذ البنية المالية الغربية.

 

ووفقا لتحليل بنك التسويات، وتقديرات صندوق النقد فى يوليو 2025، فقد ارتفع عدد الأنظمة المالية الإقليمية المترابطة أو الساعية إلى تقليل اعتمادها على «سويفت» من أقل من 5 مبادرات فى 2018 إلى أكثر من 15 نظاما قيد التشغيل أو التطوير فى 2025، ما يعكس تحولا بنيويا فى خريطة المدفوعات العالمية.

 

تحولت هذه الشبكات من حلول طارئة إلى بنية تحتية بديلة قابلة للتوسع، تحمل دلالات رمزية وسياسية لا تقل أهمية عن قيمتها التقنية والاقتصادية. فهى تمنح بكين وموسكو ومجموعة متزايدة من الاقتصادات «شريان حياة» مستقلا ضد العقوبات والضغوط الجيوسياسية، وتبعث فى الوقت ذاته برسالة واضحة إلى الأسواق الدولية: إن القدرة الأحادية على العزل المالى بدأت تتآكل بوتيرة غير مسبوقة فى النظام المالى الحديث.

 

ويفترض بعض المحللين أن الترابط المستقبلى لهذه الأنظمة عبر قنوات أوروبية–آسيوية قد يسهم فى بلورة كتلة نقدية وتجارية أكثر توازنا، قادرة على تجاوز الحواجز الغربية وإرساء قواعد جديدة لتعددية النظام المالى العالمى. كما تشير تقديرات صادرة عن مركز أبحاث الاقتصاد العالمى بجامعة أكسفورد إلى أن هذه المبادرات، إذا اتسع نطاقها الفعلى، قد تمثل ما بين 12 إلى 15 % من إجمالى معاملات الدفع العابرة للحدود بحلول 2030، وهى نسبة رمزية لكنها كافية لتغيير توازنات السيطرة النقدية تدريجيا.

 

تمثل هذه الشبكات، إذن، ملامح النظام المالى القادم، نظام لا تخضع مفاصله بالكامل لقوة منفردة كما كان الحال لعقود، بل يقوم على توازن قوى نقدى أكثر تعقيدا، يفتح الباب تدريجيا، أمام نظــام متعدد الأقطـــاب فى التمويل والتسويات الدولية.

 

أهم الأنظمة المالية العالمية الكبرى للدفع والتسوية عبر الحدود

انقسام عالمى

 

هذا الانقسام المتسارع وتعدد النظم المالية الدولية سيكون له تبعات ثقيلة سيتحملها جميع الفاعلين فى الاقتصاد الدولى دون استثناء. فقد حذر المنتدى الاقتصادى العالمى فى تقرير المخاطر العالمية 2025 من أن التشظى الجيو-اقتصادى يمثل أحد أخطر التهديدات المستدامة للازدهار العالمى خلال العقد القادم.

 

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولى، كما وصفتها مديرته كريستالينا جورجييفا فى سلسلة تصريحات رسمية، وتقارير نشرت بين نوفمبر 2022 وربيع 2023 أثناء مشاركتها فى اجتماعات الصندوق، والمنتدى الاقتصادى العالمى، إلى أن هذه الظاهرة تمثل «تكلفة باهظة» على المدى المتوسط والطويل. ووفقا لتحليل صادر عن البنك الدولى 2025، فإن زيادة الحواجز الجيو-اقتصادية قد يقلص معدلات الاستثمار الأجنبى المباشر بأكثر من 30ـ% فى بعض المناطق الناشئة. كما تشير تلك التقديرات إلى أن انقسام العالم إلى كتل اقتصادية متنافسة قد يؤدى إلى فقدان ما يصل إلى 7 % من الناتج المحلى الإجمالى العالمى على المدى الطويل، وهو ما يعادل حجم اقتصادى ألمانيا واليابان مجتمعين، وهى خسارة غير مسبوقة فى التاريخ الاقتصادى الحديث.

 

ومن الواضح أن هذه التكلفة تتجاوز الأرقام الكلية لتنعكس مباشرة على سلوك الشركات والمستهلكين حول العالم عبر ثلاث قنوات رئيسية:

 

1. تعقيد التجارة:

 

ستضطر الشركات متعددة الجنسيات إلى التعامل مع أنظمة دفع متوازية، ومعايير تقنية غير متطابقة، ولوائح تنظيمية متضاربة ما يرفع تكاليف الامتثال ويبطئ حركة التجارة الدولية.

 

2. تآكل كفاءة رأس المال:

 

بدلا من أن يتدفق رأس المال نحو الفرص الأكثر إنتاجية، سيعاد توجيهه وفق اعتبارات جيوسياسية وتحالفات استراتيجية لا اقتصادية، مما يضعف الكفاءة الاقتصادية العالمية.

 

3. ضغوط على الدول النامية:

 

ستجد الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة نفسها أمام معضلة صعبة، مضطرة إلى الاصطفاف مع كتلة دون الأخرى، بما يقلص خياراتها التمويلية والتجارية ويزيد تعرضها للضغوط الجيوسياسية.

 

حرب باردة جديدة.. وبداية العاصفة

 

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان النظام المالى العالمى سيتغير، بل متى وكيف. فالعالم يدخل مرحلة «الحرب الباردة المالية»، حيث لم تعد أدوات النقد والعقوبات مجرد وسائل ضغط، بل تحولت إلى أسلحة استراتيجية تعيد رسم خرائط النفوذ والاعتماد الاقتصادى. وتشير تقديرات صندوق النقد والبنك الدولينن إلى أن تسوية أكثر من 40 % من التجارة بين الاقتصادات الناشئة باتت تتم بعملات غير الدولار، وهو تحول جوهرى فى بنية القوة النقدية.

 

لكن هذا التحول لا يعنى ببساطة ولادة نظام متعدد الأقطاب، بل نشوء عالم من «الجزر المالية» المعزولة.. كتلة غربية تتمحور حول الدولار واليورو و»سويفت»، وأخرى أوروبية–آسيوية ترتكز على اليوان والروبل وأنظمة CIPS وSPFS، وربما كتل جديدة فى أمريكا اللاتينية أو إفريقيا.

 

فى هذا المشهد الجديد، لن تكون التجارة حرة كما كانت، بل مشروطة بالانتماء الجيوسياسى. وستصبح القدرة على تسوية المدفوعات خارج البنية التحتية الغربية ميزة استراتيجية لا تُقدر بثمن.

 

إنها حرب باردة جديدة، لا تُخاض بالدبابات أو الصواريخ، بل بالخوارزميات، وكابلات الألياف الضوئية، وبروتوكولات التشفير، وأنظمة الدفع. حرب ستحدد ملامح القوة والنفوذ فى القرن الحادى والعشرين، وربما يكون أول ضحاياها الازدهار العالمى.

 

وهكذا، يبدو أن ما نراه ليس مجرد انقسام نقدى، بل بداية العاصفة الكبرى التى ستشكل ملامح مستقبل النظام المالى العالمى.

اخر اصدار