رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
إيمان عراقي

ملفات

من «بريتون وودز» إلى «صدمة نيكسون».. الذهب الملاذ الأخير

26-11-2025 | 17:02

منذ فجر التاريخ، كان الذهب مرادفا للثقة والقيمة. ففى عام 550 قبل الميلاد، سكت مملكة ليديا -الواقعة فى غرب الأناضول، بتركيا الحالية- أول عملة ذهبية مسجلة فى التاريخ، مُحدثة ثورة فى مفهوم التبادل التجارى. وسرعان ما تبنى الفرس ثم الإغريق والرومان الفكرة، فصار الذهب معيارا عالميا للقيمة ومصدرا للنفوذ.

 

وفى العصور الإسلامية، اكتسب المعدن الأصفر بعدا حضاريا جديدا، إذ أصبح الدينار الذهبى والدرهم الفضى أساسا للتجارة العابرة للقارات، من الأندلس إلى الهند، ومن شرق إفريقيا إلى الصين، مما جعل النظام النقدى الإسلامى نموذجا للاستقرار والشفافية النقدية قرونا طويلة قبل ظهور العملات الورقية.

ومع توسع طرق التجارة وتزايد التعاملات الدولية، لم يعد حمل السبائك الذهبية آمنا أو عمليا، فظهرت الإيصالات المصرفية كبديل رمزى عن القيمة الحقيقية المودعة. وفى أوروبا القرن السابع عشر، بدأ صاغة لندن، الذين كانوا يحتفظون بذهب التجار، فى إصدار سندات ورقية قابلة للتحويل إلى ذهب، وهى الشرارة التى مهدت لولادة النظام المصرفى الحديث. وفى عام 1661، أصدر بنك ستوكهولم فى السويد أول عملة ورقية رسمية، لكن التجربة انهارت سريعا حين عجز البنك عن رد الذهب عند الطلب، لتتجلى مبكرا معضلة الثقة بين المال الورقى والمعدن النفيس.

لقد كان الذهب عبر آلاف السنين لغة كونية للقيمة، ومخزونا للثقة حين تتراجع العملات وتتهاوى الأنظمة المالية. ومن ليديا إلى لندن، ومن بغداد إلى وول ستريت، ظل المعدن الأصفر هو الثابت الوحيد فى معادلة الاقتصاد المتغيرة.

لم تتوقف رحلة الذهب عند حدود التاريخ القديم، فمع القرن العشرين، دخل العالم عصرا جديدا من المال الورقى والهيمنة الأمريكية، حين تم تثبيت الدولار على قاعدة الذهب بموجب اتفاقية بريتون وودز عام 1944، ليصبح «ذهبا ورقيا» بحكم الواقع. غير أن هذا النظام، الذى جمع بين الثقة السياسية والغطاء المعدنى، لم يصمد طويلا أمام تضخم الطموحات وتكاليف الحروب والنفقات الأمريكية المتسارعة، إلى أن جاءت «صدمة نيكسون» عام 1971، التى أنهت رسميا ارتباط الدولار بالذهب، وفتحت فصلا جديدا من التاريخ المالى العالمى، ما زال صداه يتردد فى الاقتصاد الدولى حتى اليوم.

 

البنكنوت الحقيقى

فى عام 1912، وقف المصرفى الأمريكى جون بيربونت مورجان - مؤسس بنك J.P. Morgan - أمام الكونجرس الأمريكى ليطلق جملة أصبحت من أكثر العبارات تأثيرا فى التاريخ المالى الحديث: «الذهب هو المال، ولا شيء غيره».

 

بهذه العبارة لخص مورجان فلسفة مدرسة اقتصادية كاملة، ترى أن الذهب والفضة هما: «البنكنوت الحقيقى»، بينما تمثل الأوراق النقدية مجرد أدوات ائتمان تستمد قيمتها من ثقة الحكومات والشعوب، لا من غطاء مادى من المعادن الثمينة. هذه الرؤية تطورت لاحقا إلى ما عُرف باسم قاعدة الذهب (Gold Standard).

 

اليوم، وبعد أكثر من قرن، يعود السؤال ذاته بإلحاح: هل ما زال الذهب هو: «المال الحقيقى»، أم أن العالم يقف على أعتاب تحول جذرى مع صعود العملات الرقمية؟

 

يرى أنصار البيتكوين أنها «الذهب الرقمى» الجديد، بفضل ندرتها المصطنعة (بحد أقصى 21 مليون وحدة)، فيما تسعى البنوك المركزية حول العالم إلى تطوير عملاتها الرقمية السيادية للحفاظ على سيادتها النقدية فى العصر الرقمى، مستفيدة من قوة التكنولوجيا مع إبقاء زمام السيطرة بيد الدولة.

 

غير أن ما يثير الجدل هو أن العملات الرقمية، سواء كانت مشفرة أو رسمية، تفتقر إلى الغطاء المادى الذى ميز الذهب عبر العصور، إذ تستند قيمتها إلى الثقة والأنظمة الرقمية والاتصال المستمر بالإنترنت. وهذا يعيد إلى الأذهان مقولة مورجان الخالدة: «هل سيبقى الذهب الملاذ الأخير والمال الحقيقى فى أوقات الانهيار، بينما يظل كل ما عداه مجرد «ائتمان» قابل للتبخر؟

 

من الواضح أن النقاش لم يحسم بعد. لكن المؤكد أن كلمات مورجان قبل أكثر من قرن ما زالت ترسم خطا فاصلا بين المال الصلب القائم على المعادن، والمال الورقى والرقمى الذى يعيش فقط على الثقة.

 

«بريتون وودز» و«صدمة نيكسون»

 

فى منتصف القرن العشرين، أرست اتفاقية بريتون وودز (1944) نظاما ماليا عالميا جعل الدولار محور النظام النقدى الدولى، مع تثبيت قيمته عند 35 دولارا للأونصة الواحدة من الذهب.

 

غير أن هذا النظام انهار عندما أعلن الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون فى 15 أغسطس 1971 وقف قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، لتدخل البشرية رسميا عصر «النقود الورقية» (Fiat Money)، القائم على الثقة والائتمان بدلا من الغطاء المعدنى.

 

ومنذ ذلك الحين، شهد العالم تضخما غير مسبوق فى مستويات الدين. فوفقا لأحدث تقارير معهد التمويل الدولى (IIF) وصندوق النقد للربع الأول من عام 2025، تجاوز إجمالى الدين العالمى 315 تريليون دولار، أى ما يعادل نحو 330 % من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، فيما بلغ الدين العام وحده قرابة 90 تريليون دولار.

 

وفى المقابل، عاد الذهب بقوة إلى صدارة المشهد المالى العالمى كأصل تحوطى واستراتيجى طويل الأجل.

 

وبحسب أحدث بيانات مجلس الذهب العالمى (WGC)، أضافت البنوك المركزية حول العالم نحو 1047 طنا إلى احتياطياتها خلال عام 2024، واستمرت وتيرة الشراء فى الربع الأول من 2025 بإضافة 298 طنا، ليصل إجمالى المخزون العالمى إلى نحو 36.800 طن، -وهو الأعلى منذ نصف قرن- فى وقت تجاوز فيه سعر الأونصة 4250 دولارا فى منتصف أكتوبر الماضى. وقد فاقت هذه الأرقام جميع التوقعات السابقة للمؤسسات الدولية، إذ كانت مؤسسة J.P. Morgan Research تتوقع أن يبلغ متوسط سعر الذهب 3.675 دولارا للأونصة فى الربع الرابع من 2025، على أن يتجاوز 4000 دولارا بحلول 2026، مدفوعا بتزايد التوترات الجيوسياسية وارتفاع الطلب العالمى على الملاذات الآمنة.

جانب من الاجتماع التاريخى لمندوبى 44 دولة فى مؤتمر بريتون وودز عام 1944، حيث تم التوقيع على اتفاقية مالية شكلت أساس النظام النقدى الدولى الحديث وأنشأت صندوق النقد والبنك الدوليين

 

صمام الأمان

 

رغم بريق الذهب كملاذ آمن، يحذر خبراء الاقتصاد من أن اندفاع الأفراد وصناديق الاستثمار نحوه قد يؤدى إلى تكون «فقاعة ذهبية» جديدة. فالتاريخ يؤكد أن أى أصل يشهد ارتفاعا مفرطا فى الأسعار دون مبررات اقتصادية صلبة، يكون عرضة لانهيار مفاجئ. لذا، يبقى الذهب «صمام الأمان» الأكثر موثوقية، لكنه ليس حلا سحريا. إنه ركن أساسى فى محفظة استثمارية متوازنة لمواجهة العواصف المالية، لا القارب الوحيد للنجاة منها.

 

فى النهاية، يظل التوازن هو حجر الزاوية فى عالم مالى لم يعد فيه شيء مضمونا على الإطلاق.

 

لكن حين يختل هذا التوازن، لا تكون العواقب مجرد اضطرابات اقتصادية، بل قد تتحول إلى حرب مالية شاملة، صامتة فى صوتها.. مدمرة فى أثرها.

اخر اصدار