رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
إيمان عراقي

ملفات

الهشاشة الرقمية.. كيف تهدد الهجمات السيبرانية استقرار البنوك العالمية

26-11-2025 | 17:02

بات النظام المالى العالمى قائما على الإنترنت بشكل شبه كامل، إذ تشير تقارير بنك التسويات الدولية (2025) إلى أن أكثر من 90 % من المعاملات المصرفية والتجارية تتم عبر شبكات رقمية تعتمد على الإنترنت والبنى السحابية المشتركة. فمنظمة SWIFT (جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك)، التى تسجل متوسطا يوميا يقارب 44 مليون رسالة مالية عبر نظام FIN، تقوم بتحويلات تتجاوز قيمتها التقديرية 5 إلى 6 تريليونات دولار يوميا وفق بيانات المنظمة الرسمية لعام 2025، مرورا بالبنوك الرقمية ومنصات التداول وصولا إلى محافظ العملات المشفرة، جميعها تعتمد على شبكة واحدة هى الإنترنت، بحسب تقرير المنتدى الاقتصادى العالمى (2025) حول التحول الرقمى المالى.

 

لكن هذه الميزة التكنولوجية تحمل فى طياتها نقطة ضعف استراتيجية وُصفت فى تقرير صندوق النقد (2025) بأنها: «الهشاشة الخفية للنظام المالى العالمى»، إذ يمكن أن تتحول إلى قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار المالى إذا ما تعرضت البنية التحتية لانقطاع شامل، سواء بفعل هجمات سيبرانية متطورة أو كوارث طبيعية مثل العواصف الشمسية، أو فى ظل نزاعات جيوسياسية واسعة النطاق قد تؤدى لتعطيل شبكات الاتصالات والبنى التحتية الرقمية العابرة للحدود.

 

ويمكن إدراك خطورة هذه الهشاشة الرقمية إذا علمنا أن الدين العام العالمى بلغ بنهاية 2024 نحو 93 % من الناتج المحلى الإجمالى، مع توقعات صندوق النقد فى تقرير Fiscal Monitor أكتوبر 2024 ببلوغه مستوى يقارب 100ـ% بحلول 2030. كما وصلت مديونيات الشركات فى الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات تاريخية، إذ تجاوزت ديون الشركات غير المالية نسبة 120ـ% من الناتج المحلى الإجمالى وفق بيانات بنك التسويات الدولية لعام 2025.

 

التهديدات الإلكترونية.. السلاح الصامت

 

وفقا لتقديرات شركة Cybersecurity Ventures التى تعد من أبرز الجهات الدولية فى رصد الاقتصاد السيبرانى، من المتوقع أن تبلغ الخسائر السنوية الناجمة عن الجرائم الإلكترونية عالميا نحو 10.5 تريليون دولار العام الجاري، وهو نفس الرقم الوارد فى «التقرير العالمى لآفاق الأمن السيبرانى لعام 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى بالتعاون مع شركة Accenture ويمكن اعتباره مؤشرا على اتساع التأثير الاقتصادى للجريمة السيبرانية عالميا، ويكشف هشاشة البنية المالية العالمية مهما بلغت درجة التحصين، وتجعل النظام المالى أكثر عرضة للاضطراب العميق إذا تعطلت فجأة قنوات الدفع أو تعرضت لهجمات سيبرانية واسعة النطاق.

 

مبادرات الحماية العالمية

استجابة لهذه التهديدات، أطلقت شبكة SWIFT برنامج «حماية أمن العملاء» (CSP) لتعزيز أمن مستخدميها من خلال ما يُعرَف بـ «إطار الضوابط الأمنية للعملاء (CSCF)، الذى يُعد جزءا أساسيا من استراتيجية الشبكة لمكافحة الهجمات السيبرانية، وفقا لتحديثات تقريرها السنوى لعام 2025. ويشمل هذا البرنامج:

  1. حماية الأنظمة وتقليص سطح الهجوم عبر تطبيق ضوابط صارمة للبنية التحتية الداخلية والخارجية.

 

  1. اعتماد مصادقة متعددة العوامل وإدارة دقيقة للهويات الرقمية لضمان سلامة الوصول إلى أنظمة SWIFT.

 

  1. رصد النشاط غير الطبيعى ووضع خطة متكاملة للاستجابة للأزمات السيبرانية والتعافى منها بسرعة.

 

لكن حتى هذه المبادرات تظل محدودة فى حال وقوع انقطاع شامل للبنية التحتية للإنترنت، وهو خطر حذر منه تقرير المخاطر العالمية لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى الذى صنف انقطاع الشبكات السيبرانية ضمن أخطر 5 تهديدات للنظام المالى العالمى.

 

الأسواق الناشئة.. الحلقة الأضعف

 

تواجه الاقتصادات الصاعدة تحديات أكثر تعقيدا، إذ يتعين عليها سداد التزامات ديون خارجية سنوية تقدر بنحو 1.8 تريليون دولار أمريكى، وفقا لتقديرات البنك الدولى وصندوق النقد الدولى لعام 2025 الواردة فى تقريرى: «الدين العالمى لعام 2025»، و»الاستقرار المالى العالمى – إبريل 2025»، وهو أعلى مستوى تسجله هذه الاقتصادات منذ أكثر من عقدين. وبالتالى، فإن أى انقطاع فى أنظمة الدفع أو التحويلات الدولية قد يؤدى إلى تفاقم أزمات السيولة وتهديد الاستقرار الاجتماعى، خاصة فى الدول التى تشكل فيها التحويلات الخارجية أكثر من 8 % من الناتج المحلى الإجمالى مثل الفلبين ومصر وباكستان، بحسب بيانات البنك الدولى.

 

ماذا لو انقطعت الكهرباء والإنترنت؟

التحدى الأكبر والأكثر إلحاحا يكمن فى هشاشة الاعتماد شبه الكامل على البنية الرقمية، التى أظهرت تقارير دولية حديثة مدى ضعفها أمام الانقطاعات واسعة النطاق.

 

تتساءل تقارير تابعة لليونسكو والاتحاد الدولى للاتصالات: «ماذا لو حدث انقطاع مفاجئ وشامل للكهرباء والإنترنت؟»، وهو تساؤل لم يعد نظريا، بعد أن شهدت شبه الجزيرة الإيبيرية (فرنسا وإسبانيا) فى إبريل 2025 انقطاعا كبيرا فى الكهرباء أدى إلى تراجع حركة البيانات إلى نحو 17 % من المستوى الطبيعى، وفقا لتقرير ThousandEyes. كما شهدت مصر فى يوليو الماضى حادثة «سنترال رمسيس» التى تسببت فى انقطاع الإنترنت عن مناطق واسعة من القاهرة والجيزة.

 

فى مثل هذا السيناريو الكابوسى، قد يجد العالم نفسه أمام مشهد مروع: أنظمة مصرفية متوقفة، وشبكات دفع مشلولة، واقتصاد رقمى يدخل فى حالة شلل غير مسبوقة، كما حذر معهد Uptime Institute فى تقريره لعام 2025 من أن 53 % من مشغلى مراكز البيانات حول العالم أبلغوا عن انقطاعات خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

 

كل ذلك يضع صانعى القرار أمام مسئولية تطوير بنى تحتية رقمية مرنة، تعتمد على أنظمة احتياطية لا مركزية، وشبكات اتصالات عبر الأقمار الصناعية، لتجنب أن يصبح مستقبل النظام المالى العالمى رهينة لكابل بحرى مقطوع أو انقطاع كهربائى واسع النطاق.

 

سيناريو «كارينجتون»

 

يمكن أن تتسبب عاصفة شمسية فى شلل كامل للنظام المالى العالمى

 

تخيل أن يشهد العالم عاصفة شمسية عنيفة على غرار حدث كارينجتون الذى وقع عام 1859، حين أطلقت الشمس تيارات كهرومغناطيسية هائلة أحدثت اضطرابات شديدة فى المجال المغناطيسى للأرض، وتسببت فى تعطل أنظمة التلغراف حول العالم. ووفقا لتقارير وكالة الفضاء الأمريكية (NASA) ومركز التنبؤ بالطقس الفضائى الأمريكى (SWPC) لعام 2025، فإن تكرار عاصفة شمسية مماثلة اليوم قد يؤدى إلى أضرار كارثية فى الأقمار الصناعية، وشبكات الكهرباء، وأنظمة الملاحة (GPS)، والبنى التحتية للاتصالات العالمية.

 

فى عالم يعتمد أكثر من 95 % من المعاملات المالية الدولية على الإنترنت، قد يفضى مثل هذا الحدث إلى توقف شامل فى أنظمة الدفع، وتعطل أسواق المال، وشلل مؤقت فى التجارة العالمية.

 

عواقب كارثية:

1. شلل مالى عالمى كامل:

 

تتوقف الحوالات، تغلق البورصات مؤقتا، وتتعطل ماكينات الصراف الآلى وبوابات الدفع الإلكترونى، ما يؤدى إلى تجمد السيولة على نطاق واسع. وتعجز الأسر عن شراء احتياجاتها الأساسية، وتتجمد سلاسل التوريد العالمية لعدم القدرة على تسوية المدفوعات.

 

2. أزمة فى سلاسل الإمداد:

 

تتوقف التسويات التجارية الإلكترونية، فتتعطل حركة السلع والخدمات عبر الحدود.

 

3. اضطراب اجتماعى واسع:

 

تتأخر الرواتب والتحويلات، فترتفع الاحتجاجات فى الاقتصادات الأكثر هشاشة، وتضعف قدرة الحكومات على السيطرة على الأزمات.

 

فى هذا السيناريو لن يكون التأثير موحدا، فالدول التى استثمرت فى بنى تحتية بديلة، مثل شبكات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية ذات المدار المنخفض (LEO)، كمشروع Starlink التابع لشركة SpaceX ومشروع Project Kuiper لشركة أمازون، ستكون أكثر قدرة على الحفاظ على الاتصال واستمرار النشاط المالى الأساسى. أما الاقتصادات التى لا تمتلك بدائل فضائية أو احتياطية، فستواجه انقطاعا تاما يهدد استقرارها الاقتصادى والاجتماعى.

 

لقد بات الاعتماد شبه الكامل على الإنترنت فى تشغيل النظام المالى العالمى بالسير على حبل مشدود فوق هاوية. وكما يشير المنتدى الاقتصادى فى تقريره حول «المخاطر العالمية 2025»، فإن: «التهديدات الكهرومغناطيسية والاضطرابات الفضائية تشكل خطرا نظاميا على البنى المالية والتكنولوجية فى العالم». ومن ثم، فإن بناء بنية رقمية مرنة، قادرة على الصمود أمام العواصف الشمسية والهجمات السيبرانية على حد سواء، لم يعد ترفا تقنيا بل ضرورة وجودية لضمان استمرارية الاقتصاد العالمى.

 

الرهان الحقيقى إذا ليس على التكنولوجيا وحدها، بل على الحكمة فى تصميمها واستباق مخاطرها، فالمستقبل المالى للبشرية يتوقف على مدى جاهزيتنا لليوم الذى قد يصحو فيه العالم.. ليجد الإنترنت متوقفا.

 

استراتيجيات المواجهة

شبكات الأقمار الصناعية منخفضة المدار مثل مشـــروع Project Kuiper يعد درعا رقميـــا ضــــروريا لاستدامة الاقتصاد العالمى ضد الانقطاعات الكارثية

 

للحكومات والبنوك المركزية

1. إنشاء أنظمة دفع بديلة غير معتمدة على الإنترنت.

2. تأسيس صندوق طوارئ سيبرانى لمساندة المؤسسات أثناء الانقطاع.

3. تطوير احتياطيات رأس المال لمواجهة الأزمات.

 

للمؤسسات المالية

1. تنويع مزودى الخدمات السحابية وتبنى استراتيجيات تشغيل متعددة المواقع.

2. الاستثمار فى أنظمة اتصالات فضائية احتياطية.

3. وضع خطط سيولة لمواجهة سيناريوهات الانقطاع الكامل.

 

للأفراد

1. الاحتفاظ بجزء من المدخرات نقدا.

2. تنويع القنوات المصرفية بين الرقمية والتقليدية.

اخر اصدار