رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
إيمان عراقي

ملفات

العملات الرقمية الرسمية.. وهم أم واقع قادم؟

26-11-2025 | 17:02

إذا كانت نهاية الاحتكار النقدى قد مهدت الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب النقدية، فإن العملات الرقمية الرسمية تبدو اليوم فى صدارة هذا التحول، لا بوصفها مجرد ابتكار تقنى، بل كأداة تعيد تعريف مفهوم «السيادة النقدية» ذاته. ففى ظل توترات النظام المالى العالمى وارتفاع وتيرة الأزمات الجيوسياسية، تبرز العملات الرقمية للبنوك المركزية كأحد أبرز الابتكارات القادرة على إعادة تشكيل ملامح النظام النقدى فى المستقبل القريب.

 

هذه العملات، التى تمثل الصيغة الرقمية للعملات السيادية، لم تعد مجرد فكرة تجريبية، بل تحولا هيكليا يعيد صياغة علاقة البنوك المركزية بالنظام المالى العالمى، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النقود الورقية ودور الدولار فى المعاملات العابرة للحدود.

 

ووفقا لأحدث تقارير بنك التسويات الدولية، تعمل أكثر من 130 دولة تمثل ما يزيد على 98 % من الناتج المحلى الإجمالى العالمى على إطلاق، وتطوير أو اختبار عملات رقمية سيادية فى خطوة تعزز مسار التحول نحو اقتصاد نقدى رقمى عالمى.

 

ويضع هذا التحول العالم أمام سؤال محورى: هل تمثل هذه العملات البديل الآمن والأكثر كفاءة للنظام المالى العالمى فى ظل تراجع الثقة التدريجى فى هيمنة الدولار؟

 

الدول التى أطلقت أو بدأت فى اختبار العملات الرقمية السيادية CBDC

الجدول يعتمد على قاعدة بيانات Atlantic Council CBDC Tracker كمصدر رئيسى لتصنيف حالة المشروعات (تم الإطلاق – تجريبى – أبحاث)، مع إضافات من مواقع البنوك المركزية ووكالات أنباء دولية. - المصدر: الأهرام الاقتصادى ولغة العصر

 

من فوضى «بيتكوين» إلى السيادة الرقمية

شكل إطلاق عملة بيتكوين (Bitcoin) عام 2009 لحظة مفصلية فى تاريخ النظام المالى العالمى، إذ قدمت لأول مرة نموذجا نقديا لامركزيا يعالج مشكلة الإنفاق المزدوج، أى استخدام نفس المبلغ الرقمى فى عمليتين منفصلتين، دون الحاجة إلى وسيط تقليدى، مما مثل تحديا مباشرا لسلطة الدولة على المال.

 

ومع تصاعد هذا الزخم، لم تتأخر الاستجابة الرسمية طويلا، فقد أدركت البنوك المركزية حول العالم أن تجاهل الثورة الرقمية يعنى خسارة أدوات السيطرة النقدية، فبادرت إلى تبنى هذه التقنيات وتطويعها بما يحافظ على سيادتها النقدية فى عصر تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمى.

 

ووفقا لأحدث بيانات منصة CoinMarketCap ووحدة أبحاث Bloomberg Intelligence (أكتوبر 2025)، تجاوزت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المشفرة حاجز 2.6 تريليون دولار، مع أكثر من 610 ملايين محفظة رقمية نشطة حول العالم. هذا الواقع المتنامى فرض على البنوك المركزية الدخول فى سباق محموم لتطوير عملاتها الرقمية السيادية كأداة لتحقيق التوازن بين الابتكار والسيادة.

 

ويبدو أن مشهد السباق نحو العملات الرقمية للبنوك المركزية قد حسم ملامحه الأولى، فالصين تتصدر المشهد العالمى عبر مشروعها الطموح لليوان الرقمى (e-CNY)، الذى تجاوزت قيمة معاملاته التراكمية حاجز 8.2 تريليون يوان (نحو 1.12 تريليون دولار) بنهاية يونيو 2025، وفقا لبيانات منصة Atlantic Council Digital Currency Tracker وتصريحات نائب محافظ بنك الشعب الصينى. ويُظهر ذلك اتساع الاستخدام التجريبى فى المعاملات اليومية، بما فى ذلك المدفوعات الحكومية والتجارية عبر منصات التجزئة الكبرى مثل: «Alipay» و»WeChat Pay».

 

أما الاتحاد الأوروبى، فقد انتقل رسميا فى نوفمبر 2023 إلى المرحلة التحضيرية لمشروع اليورو الرقمى (Digital Euro)، والتى تركز على وضع الأطر التقنية والتنظيمية استعدادا لإطلاقه بحلول 2026، وفق ما أكده البنك المركزى الأوروبى فى 2024.

 

مصر.. نحو شمول مالى رقمي

تصميم تخيلى للجنيه المصرى الرقمى

 

يشهد العالم حراكا غير مسبوق فى مضمار تطوير العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، فى محاولة جادة لإعادة صياغة بنية النظام المالى العالمى ومعالجة أزماته الهيكلية التى كشفتها تقلبات الاقتصاد الدولى خلال السنوات الأخيرة. وتأتى هذه الجهود ضمن توجه استراتيجى عالمى يسعى إلى بناء منظومة مالية أكثر كفاءة وشمولا واستدامة.

 

وفى مصر، التى تخوض مسارا إصلاحيا متدرجا لتحديث قطاعها المالى والمصرفى، برز مشروع «الجنيه الرقمى» (Digital Pound) بوصفه أحد أهم المبادرات المستقبلية للبنك المركزى المصرى، الهادفة إلى تعزيز الشمول المالى وتوسيع قاعدة التعاملات الإلكترونية فى إطار رؤية: «مصر 2030».

 

ورغم أن العملة الرقمية الوطنية لم تطرح بعد رسميا، فإن ملامح المشروع بدأت تتبلور بخطى محسوبة تحت إشراف مباشر من البنك المركزى المصرى، الذى يعمل على تطوير منظومة الجنيه الرقمى بالتعاون مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى. ومن المقرر وفق ما أكده مسئولون بالبنك فى اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولى لعام 2025 أن يدخل المشروع مرحلة التشغيل التجريبى بين عامى 2027 و2030، تمهيدا لإطلاقه الكامل بنهاية العقد الحالى.

 

ويأتى هذا المشروع فى سياق الجهود الوطنية الرامية إلى التحول نحو الاقتصاد الرقمى وتوسيع نطاق المدفوعات الإلكترونية الفورية بين الأفراد والشركات دون الحاجة إلى وساطة مالية تقليدية. وقد قطعت مصر بالفعل شوطا مهما فى هذا المجال بإطلاق شبكة المدفوعات اللحظية الوطنية فى مارس 2022، والتى تربط جميع البنوك العاملة فى البلاد عبر بنية تحتية رقمية موحدة ومتطورة.

 

ووفقا للوثيقة الصادرة عن مجلس الوزراء المصرى بشأن: «ملامح التوجهات الإستراتيجية للاقتصاد المصرى خلال الفترة 2024 / 2030»، فإن الدولة تستهدف إصدار عملة رقمية صادرة عن البنك المركزى بحلول 2030، بما يعزز تنافسية العملة الوطنية ويزيد من كفاءة السياسة النقدية، إلى جانب استثمار الفرص التى يتيحها التحول الرقمى فى تطوير القطاع المالى المصرى.

 

وتواكب هذه الجهود تطورات متسارعة فى تهيئة البنية التحتية المالية والتقنية اللازمة لإطلاق العملة الرقمية، إذ يركز البنك المركزى حاليا على تطوير نظم المدفوعات الفورية وتعزيز أطر الأمن السيبرانى، إلى جانب إصدار قواعد ترخيص البنوك الرقمية التى أُقرت رسميا فى عام 2024. وقد شكل إطلاق أول بنك رقمى فى مصر «ون بنك» (One Bank) فى أغسطس 2024 خطوة استراتيجية محورية نحو رقمنة النظام المصرفى وتمكين الوصول المالى للفئات غير المشمولة مصرفيا.

 

ومن المنتظر أن يمثل مشروع الجنيه الرقمى عند إطلاقه نقطة تحول هيكلية فى منظومة المدفوعات الوطنية، إذ سيتيح للدولة إدارة تدفقات النقد بكفاءة أعلى، وتوسيع قاعدة المتعاملين مع الاقتصاد الرسمى، بما يرسخ موقع مصر ضمن الدول الرائدة إقليميا فى مجال التحول المالى الرقمى، ولتظل فى قلب المشهد العالمى للتحول الاقتصادى فى العقد المقبل.

 

الدوافع أعمق من مجرد تكنولوجيا

 

رغم أن العملات الرقمية للبنوك المركزية تبدو ظاهريا ثمرة للتطور التكنولوجى، فإن جوهر اندفاع الدول نحوها أعمق بكثير، إذ يعكس حاجة هيكلية لإصلاح النظام المالى العالمى فى 3 محاور رئيسية:

 

  1. الشمول المالى:

تمثل هذه العملات أحد أقوى الأدوات لتعزيز الشمول المالى فى الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء، إذ لا يزال أكثر من 1.4 مليار شخص حول العالم خارج النظام المصرفى الرسمى، وفقا لتقديرات البنك الدولى لعام 2024. ومن خلال محافظ رقمية آمنة ومنخفضة التكلفة متاحة عبر الهواتف المحمولة، يمكن للبنوك المركزية أن تتيح لهؤلاء النفاذ المباشر إلى النظام المالى، بما يقلص الفجوة بين الاقتصاد الرسمى وغير الرسمى، ويدعم جهود التنمية المستدامة ومكافحة الفقر المالى.

 

  1. خفض تكاليف التحويلات:

تُعد التحويلات الدولية أحد أكثر القطاعات حاجة إلى الإصلاح، إذ لا تزال تكاليفها تتجاوز 6 % من قيمة المعاملة الواحدة فى المتوسط العالمى، وفق تقرير البنك الدولى «أسعار الصرف حول العالم للربع الثانى 2025. وفى هذا السياق، تمثل مبادرات مثل مشروع «الجسر» (mBridge) تجربة نموذجية لبنية مالية عابرة للحدود لا تمر عبر نيويورك ولا تعتمد على الدولار الأمريكى، ما يفتح الباب أمام شبكة مدفوعات دولية أكثر كفاءة وتوازنا.

 

  1. كفاءة السياسة النقدية:

تمنح العملات الرقمية للبنوك المركزية السلطات النقدية أدوات جديدة غير مسبوقة لإدارة الاقتصاد الكلى، إذ تمكنها من مراقبة التدفقات الاقتصادية فى الزمن الحقيقى، وتوجيه التحفيز النقدى أو الدعم المالى مباشرة إلى المواطنين والشركات خلال دقائق، بدلا من الأسابيع التى يتطلبها النظام المصرفى التقليدى. وبذلك، يمكن أن تصبح العملات الرقمية الرسمية منصة لتطبيق سياسات نقدية أكثر استهدافا وسرعة وشفافية، وهو تحول قد يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة، والسوق، والمواطن.

 

 

عملة تحت الحصار

لا يزال الدولار الأمريكى يحتفظ بمكانة مركزية فى النظام النقدى الدولى. وفقا لآخر بيانات صندوق النقد الدولى. ومع ذلك، فإن هذه الهيمنة تواجه ضغوطا متزايدة بسبب حجم الدين الأمريكى المتضخم وارتفاع مدفوعات الفائدة عليه، فضلا عن التوجهات الجيوسياسية لبعض الدول تجاه خلق نظام نقدى متعدد الأقطاب. هذه العوامل مجتمعة تجعل سيناريو تراجع الثقة بالدولار، ممكنا -وإن كان بطيئا- على المدى المتوسط والطويل.

 

 

السيناريو التخيلى.. تراجع الدولار وصعود العملات الرقمية

 

فى حالة حدوث صدمة كبرى للنظام المصرفى العالمى وتراجع نسبى فى الثقة بالدولار، يمكن للعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية أن تسهم فى تعزيز استقرار النظام المالى العالمى من خلال عدة آليات:

 

1. توفير ملاذ سيادى آمن:

 

ستوفر للمواطنين وسيلة للاحتفاظ بأموالهم بشكل آمن فى صورة رقمية مضمونة من الدولة، ما يوفر درجة عالية من الأمان والاستقرار فى أوقات الأزمات المصرفية، مع بقاء دور البنوك التجارية وسيطا تشغيليا فى بعض النماذج وفق ما تؤكده تقارير صادرة عن بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولى لعامى 2024 و 2025.

 

2. ضمان استمرار التجارة الإقليمية:

 

من خلال اتفاقيات التشغيل البينى بين البنوك المركزية مثل مشروع mBridge، يمكن أن تسهم العملات الرقمية للبنوك المركزية فى ضمان استمرار تدفق السلع والخدمات بين الدول حتى فى حالة تعطل شبكات الدفع التقليدية مثل «سويفت».

 

3. سرعة تنفيذ السياسات المالية:

 

يسمح النظام الرقمى للحكومات، فى الدول التى تعتمد عملات رقمية للبنوك المركزية مثل الصين والهند والبهاما، بتحويل الحوافز النقدية أو دعم القطاعات المتضررة مباشرة إلى المحافظ الرقمية للمواطنين فى غضون دقائق، وفقا لتقارير بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولى لعام 2025، مما يقلل من حدة التأثير السلبى للأزمات.

 

4. مكافحة الفساد المالى:

 

فى إطار أطر قانونية واضحة وتعاون دولى فعال، تساعد العملات الرقمية البنوك المركزية على تتبع حركة رؤوس الأموال وتعزيز الشفافية فى المعاملات المالية، مما يرفع كفاءة تطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتشير تقارير بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولى لعام 2025 إلى أن البنية الرقمية للعملات الرقمية تتيح تتبع المعاملات فى الوقت الفعلى، وتسهل على الجهات التنظيمية رصد الأنشطة المالية المشبوهة بسرعة أعلى مقارنة بالأنظمة النقدية التقليدية.

 

ومع ذلك، تؤكد مجموعة العمل المالى (FATF) فى تحديثها الصادر فى يوليو 2025 أن هذه التقنيات لا تقضى بمفردها تماما على غسل الأموال أو التهرب الضريبى، بل تتطلب تصميما تشغيليا متوازنا يوفق بين الشفافية وحماية الخصوصية، إضافة إلى تنسيق دولى مستمر لضمان النزاهة المالية فى البيئة الرقمية العالمية.

 

الواقـــــع المــــرير والوعد البراق

 

تمثل العملات الرقمية للبنوك المركزية أحد أكثر التحولات البنيوية عمقا فى النظام المالى العالمى، إذ يتقاطع فيها الابتكار التقنى مع السيادة النقدية فى سباق يعيد رسم خريطة القوة الاقتصادية للقرن الحادى والعشرين. لكن خلف هذا الوهج التكنولوجى، تكمن مخاطر وجودية قد تجعل من الوعد الرقمى كابوسا مؤسسيا إذا لم يُحسن إدارتها:

 

1. الخصوصية:

 

تُسجل العملات الرقمية للبنوك المركزية جميع المعاملات فى دفاتر رقمية يمكن تتبعها بدقة شبه مطلقة، ما يخلق ما يُعرف بـ «الأثر الرقمى الكامل». وفى غياب أطر قانونية ودستورية صارمة لحماية البيانات، يمكن أن تتحول هذه الأنظمة إلى أدوات للمراقبة الجماعية، وهو ما حذر منه بنك التسويات الدولية (2024) الذى شدد على ضرورة تبنى ما يُعرف بـ «الخصوصية المشروطة (Tiered Privacy) لضمان التوازن بين الشفافية والسيادة الفردية.

 

2. الأمن السيبرانى:

 

تعتمد العملات الرقمية المركزية على بنى تحتية رقمية فائقة التعقيد، ما يجعلها هدفا مثاليا للهجمات السيبرانية المتقدمة. ووفقا لمؤشر مخاطر الأمن السيبرانى لصندوق النقد الدولى (2024)، تتعرض الأنظمة المالية عالميا لأكثر من 2000 هجوم إلكترونى كبير سنويا، وتُعد أنظمة الدفع المركزية من أكثرها حساسية، ولذا فإن أى اختراق ناجح يمكن أن يؤدى إلى شلل مؤقت أو انهيار شامل فى عمليات المدفوعات، مع تداعيات مالية تتجاوز حدود الدولة إلى النظام النقدى الدولى.

 

3. استقرار القطاع المصرفى:

 

من أكبر المخاوف ما يُعرف بـ «الركض الرقمى على البنوك»، إذ يمكن للمودعين فى أوقات الأزمات أن يحولوا ودائعهم من البنوك التجارية إلى المحافظ الرقمية الصادرة عن البنك المركزى فى دقائق معدودة، بحثا عن الأمان النسبى. وقد يؤدى ذلك إلى نزيف حاد فى السيولة لدى البنوك التجارية، مما يهدد استقرار النظام المصرفى بأكمله. ولذلك، توصى لجنة بازل للرقابة المصرفية (2024) بوضع حدود كمية لاستخدام العملات الرقمية المركزية للأفراد فى الأوقات العادية لتجنب هذه الظاهرة.

اخر اصدار