رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
إيمان عراقي

ملفات

الدولار..انهيار أم تآكل تدريجى

26-11-2025 | 17:02

فى الوقت الذى تعيد فيه القوى الكبرى رسم موقعها على خريطة العولمة الجديدة، تتجه الأنظار هذه المرة إلى قلب النظام المالى العالمى ذاته. فالعالم يشهد اليوم تآكلا متسارعا فى الثقة بالثوابت القديمة التى حكمت الاقتصاد الدولى لعقود، وعلى رأسها الهيمنة المطلقة للدولار الأمريكى.

 

لم يعد عرش العملة الخضراء محصنا كما كان فى السابق. فخلال العقدين الأخيرين، تراجعت هيمنة الدولار تدريجيا ولكن بثبات، فى تحول جيوسياسى عميق لا يقل تأثيرا عن التحولات الاقتصادية نفسها. ولم يعد الأمر مجرد نقاش أكاديمى أو توقعات نظرية، بل حقيقة ملموسة تعكسها بيانات البنوك المركزية وسياسات الاحتياطى واستراتيجيات التنويع النقدى التى تتبناها القوى الاقتصادية الكبرى.

 

تراجع صامت

 

تظل الأرقام الشاهد الأكثر دقة وموضوعية على التحولات الصامتة فى بنية النظام المالى العالمى. ووفقا لأحدث بيانات قاعدة (COFER) الصادرة عن صندوق النقد فى أكتوبر الماضى، بلغت حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبى العالمية المخصصة 56.1 % بنهاية الربع الثانى من 2025، وهو أدنى مستوى تسجله العملة الأمريكية منذ أكثر من عقدين.

 

ورغم أن الرقم لا يزال مرتفعا مقارنة بعملات الاحتياط الأخرى، فإنه يعكس مسارا نزوليا متدرجا، فقد كانت الحصة نحو 57.6 % فى الربع الأول من العام نفسه قبل أن تتراجع بفعل تأثيرات أسعار الصرف وتبدلات تقييم العملات. ومع ذلك، ما زالت حصة الدولار تفوق نظيراتها بوضوح، إذ بلغت حصة اليورو نحو 21.1 %، بينما استقرت حصة اليوان الصينى عند 2.1 %، فى حين حافظ الدولار على موقعه كعملة التسعير الرئيسة للسلع الاستراتيجية كالنفط والغاز والمعادن.

 

وتُظهر بيانات الصندوق أن نحو 92 % من تراجع حصة الدولار ترجع إلى تغيرات أسعار الصرف فى المحافظ الاستثمارية، وليس إلى تحولات جوهرية فى مكونات الاحتياطيات نفسها، وهو ما يشير إلى أن الانخفاض يعكس عوامل تقييم أكثر من كونه تحولا هيكليا.

 

أما من حيث الاستراتيجية، فبينما تتجه بعض البنوك المركزية، خاصة فى الاقتصادات الناشئة، نحو تنويع أصولها النقدية خارج العملتين التقليديتين الكبريين (الدولار واليورو)، كما يوضح تقرير بنك التسويات الدولية (يونيو 2025)، فإن هذا التوجه يشمل أيضا سلة من عملات الاحتياط غير التقليدية مثل الدولار الأسترالى والكندى والوون الكورى الجنوبى، مدفوعا بإمكانات العائد وسهولة التداول فى ظل تطور البنى التحتية المالية.

 

ووفقا لتحليل وكالة بلومبرج فى سبتمبر 2025، فإن نحو 84 % من العقود المستقبلية فى أسواق النفط العالمية لا تزال تُسعر بالدولار الأمريكى، مما يعزز مكانته كمرجع رئيسى فى التسعير العالمى رغم الضغوط المتزايدة على مكانته فى الاحتياطيات الرسمية.

القوة تأتى بنتائج عكسية

 

كان الاستخدام المتزايد للدولار كأداة للعقوبات الاقتصادية هو المحفز الأكبر لهذا التحول. فمنذ هجمات 11 سبتمبر، تحولت وزارة الخزانة الأمريكية إلى ما يشبه القوة العسكرية المالية، قادرة على عزل دول مثل إيران وروسيا عن النظام المالى العالمى عبر تجميد الأصول وقطع الوصول إلى نظام «سويفت» للمدفوعات.

جاك لو

 

هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها قصيرة المدى، أطلقت العنان لردود فعل عنيفة. لقد أدركت دول العالم، بما فيها حلفاء واشنطن، أن الاعتماد المفرط على الدولار يعرضها لمخاطر جيوسياسية. وقد حذر وزير الخزانة الأمريكى السابق «جاك لو» فى خطاب رسمى ألقاه فى مارس 2016 أمام مؤسسة «كارنيجى للسلام الدولى» من أن: «الإفراط فى استخدام العقوبات يمكن أن يضعف موقع الولايات المتحدة وريادتها فى الاقتصاد العالمى، ويهدد مكانة الدولار كعملة احتياطى رئيسية، ويعزز الدافع لدى بعض الدول للبحث عن أنظمة بديلة للدولار والبنى المالية المرتبطة به».

 

 

الدولار..خيارات صعبة

 

رغم كل التحديات التى تواجه النظام النقدى العالمى، فإن الحديث عن انهيار وشيك لهيمنة الدولار الأمريكى يبدو سابقا لأوانه. فحتى اللحظة، لا تزال العملة الأمريكية تواجه تراجعا بطيئا فى هيمنتها، دون أن تفقد مكانتها المحورية، إذ يبلغ إجمالى قيمة سندات الخزانة الأمريكية المتداولة عالميا طبقا لتقديرات «رابطة صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية» (SIFMA) لعام 2025 نحو 28 تريليون دولار، بمتوسط تداول يومى يتجاوز 900 مليار دولار، أى ما يفوق إجمالى التداول اليومى لجميع سندات دول مجموعة السبع (G7) مجتمعة، ما يجعلها أعمق وأكبر سوق سيولة فى العالم، ومركز الجذب الأول لرؤوس الأموال الباحثة عن الأمان فى أوقات الأزمات.

 

هذه القوة لا تعود فقط إلى عوامل السوق، بل إلى هيكل الابتكار المالى الأمريكى نفسه، الذى يضم أكبر أسواق المشتقات وأعمق البورصات وأكثرها سيولة، إلى جانب ثقة عالمية فى المؤسسات الأمريكية، سواء مجلس الاحتياطى الفيدرالى أو وزارة الخزانة الأمريكية، اللذين يشكلان معا العمود الفقرى للنظام المالى الدولى.

 

يبقى الواقع الأهم أن لا بديل جاهز حاليا أو فى المدى المنظور يمكنه ملء الفراغ الذى قد يتركه انهيار الدولار. فاليورو لا يزال يواجه تحديات هيكلية مرتبطة بتباين سياسات الإنفاق والديون داخل الاتحاد الأوروبى، وهو ما تؤكده مراجعات البنك المركزى الأوروبى (ECB) لعام 2024، بينما يظل اليوان الصينى مقيدا بقيود صارمة على حركة رأس المال وثقة محدودة فى استقلالية السياسة النقدية لبكين بحسب تقييمات المراجعات السنوية لصندوق النقد (2024). لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا ليس «انهيار الدولار»، بل استمرار التآكل التدريجى لنفوذه، وتحول النظام العالمى نحو بيئة نقدية متعددة الأقطاب، تتقاسم فيها عملات إقليمية، كاليورو واليوان والروبل والروبية، الأدوار دون أن تحل محله بالكامل. مما يبدو معه أن الدولار لن يسقط بضربة واحدة، بل سيتراجع ببطء، فيما يصعد منافسوه على إيقاع عالم لم يعد يؤمن بالمركز الواحد.

 

ويبدو المشهد النقدى القادم كالتالى: عالم أكثر تفتتا، وأقل اعتمادا على عملة واحدة، وأكثر عرضة لتقلبات السيولة والمخاطر السياسية. ومع ذلك، سيظل الدولار بفضل ثقله المؤسسى وعمق أسواقه المالية وثقة المستثمرين العالميين المرتكز المركزى للنظام المالى الدولى، حتى وإن لم يعد العرش الذى يجلس عليه محصنا كما كان. فمع تصاعد التوجهات الانعزالية الأمريكية لإدارة ترامب، وما تبعها من استخدام الدولار كسلاح جيوسياسى، وجد العالم نفسه أمام مفارقة لافتة: أن العملة التى صاغت النظام المالى العالمى أصبحت اليوم أحد محركات إعادة هندسته على أسس جديدة.

 

البدائل الناشئة ..من الذهب إلى اليوان الرقمى

 

فى مواجهة تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتسييس النظام المالى العالمى، بدأت الدول فى البحث عن بدائل تقلل من هيمنة الدولار. وفى مقدمة هذه البدائل برزت 3 مسارات رئيسية:

 

1. الذهب:

 

الملاذ التاريخى يعود بقوة إلى الواجهة. فقد قادت البنوك المركزية، وعلى رأسها فى الصين وبولندا وتركيا، موجة شراء غير مسبوقة، أضافت خلالها أكثر من 1000 طن سنويا فى عامى 2023 و2024 إلى احتياطياتها، أى ما يعادل ضعف المتوسط السنوى للعقد السابق، وفق بيانات مجلس الذهب العالمى (WGC).

 

ولا يمكن النظر إلى هذا الاتجاه على أنه مجرد تحوط ضد التضخم أو تقلبات السوق، بل هو فى جوهره «تصويت بالسبائك» ضد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالعملات الورقية، وعلى رأسها الدولار الأمريكى.

 

2. اليوان الصينى وأنظمة الدفع البديلة:

 

فى مسار مواز، تعمل الصين على بناء بنية مالية موازية بهدوء واتساق. فقد تجاوزت معاملات نظام المدفوعات عبر الحدود (CIPS) حاجز 19 تريليون دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025، ليربط أكثر من 1400 مؤسسة مالية حول العالم.

 

وفى الوقت نفسه، اكتسبت مبادرة «الجسر» (mBridge) التى تربط العملات الرقمية للبنوك المركزية لكل من الصين والإمارات وتايلاند وهونج كونج زخما متزايدا، حيث تمثل التسويات باليوان الرقمى (e-CNY) نحو 65 % من إجمالى المعاملات المنفذة عبر المنصة، ما يعزز موقع الصين فى سباق العملات الرقمية السيادية.

 

اليوان الرقمى الصينى يعمل تماما مثل النقد

 

3. تكتل «بريكس»:

 

تعمل دول «بريكس» على توسيع نطاق استخدام العملات المحلية فى التجارة البينية، متجاوزة الدولار خطوة بخطوة. ورغم أن إنشاء عملة موحدة ما زال هدفا بعيد المنال، فإن الربط المتزايد بين أنظمة الدفع الوطنية، مثل CIPS الصينى وSPFS الروسى وUPI الهندى، يمثل تحركا عمليا نحو تقليل الاعتماد على البنية التحتية الغربية.

 

غير أن هذه المحاولات، رغم زخمها السياسى والرمزى، ما تزال تفتقر إلى عمق السيولة والقبول العالمى الذى يتمتع به الدولار، ما يجعلها حتى الآن مكملة للنظام القائم لا بديلا عنه.

 

اخر اصدار