64 دولة فقط قدمت تعهدات مناخية جديدة قبل القمة من بين 198 دولة مشاركة
شريفة عبد الرحيم
بعد عشر سنوات من مؤتمر باريس، تهدف محادثات المناخ فى البرازيل إلى الانتقال من الأقوال إلى الأفعال.
مع اقتراب الأمازون بسرعة من نقطة تحول، وتدمير الظواهر الجوية المتطرفة للمنازل والمدارس والشركات، فى الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، يمثل مؤتمر الأطراف لهذا العام -على الرغم من عدم اكتماله- لحظة نادرة وحيوية لتعزيز العمل المناخى.
هددت تكلفة الإقامة الباهظة فى بيليم بإبعاد الدول الفقيرة ومنظمات المجتمع المدنى عن المحادثات. فى غضون ذلك، انسحبت الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد فى العالم، وتراجعت عن سياستها المناخية فى ظل إدارة ترامب. كما توترت الدبلوماسية العالمية بسبب هجوم إسرائيل على غزة وغزو روسيا لأوكرانيا.
من ثم، كانت التساؤلات حول ما إذا كان هناك أى أمل فى أن تحدث تلك المحادثات فرقا؟
تعقد قمة الأمم المتحدة السنوية للمناخ غدا فى بيليم، وهى مدينة تقع فى منطقة الأمازون البرازيلية، ويطلق عليها الكثيرون “رئة الأرض الخضراء”. وتأتى تلك المحادثات فى ظل زيادة عالمية مقلقة فى انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى، بعد أن تجاوز العالم العام الماضى 1.5 درجة مئوية من الاحترار، وهو الحد الذى حددته اتفاقية باريس التاريخية لعام 2015.
على الرغم من أنها لا تزال دولة موقعة على الاتفاقية -وهى أكبر مصدر للغازات المسببة لاحتباس الحرارة- فإن الولايات المتحدة هى أبرز الدول الغائبة، بعدما غابت الوفود الأمريكية عن جولات المحادثات الأخيرة، ذات الطابع التقنى، بعد انسحاب دونالد ترامب من اتفاقية باريس فى يناير، زاعما أنها أضرت باقتصاد بلاده.
ما مؤتمر الأطراف الثلاثين؟
فى مصطلحات الأمم المتحدة، يشير مصطلح “مؤتمر الأطراف” أو “كوب 30” إلى الدول المشاركة فى المحادثات التى تنظمها الأمم المتحدة حول كيفية معالجة تغير المناخ. وتبدأ المفاوضات، التى تستمر أسبوعين، فى 10 نوفمبر فى بيليم، شمال البرازيل، ومن المرجح أن تناقش العديد من القرارات الحاسمة خلف أبواب مغلقة. ستكون تلك الجولة الثلاثين من المحادثات منذ اجتماع الدول لأول مرة فى برلين عام 1995.
يحضر المحادثات ممثلون رفيعو المستوى من 198 دولة وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. ويناقش “دبلوماسيو المناخ” كيفية تطبيق اتفاقية باريس التاريخية للحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية. بعد ذلك، يقع على عاتق كل دولة على حدة وضع خطة محلية تتوافق مع ما تم الاتفاق عليه -أو تحديث خطتها الحالية.
لكن الحكومات ليست وحدها المسئولة عن حماية المناخ، ومن الناحية النظرية، تمثل “مؤتمرات المناخ” فرصة حيوية للمجتمع الأوسع للمطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة وواسعة النطاق.
يشمل الحضور أفراد من العائلة المالكة ونشطاء مشاهير، بالإضافة إلى جماعات السكان الأصليين والمنظمات غير الربحية. ومع ذلك، تعرضت تلك القمم لانتقادات شديدة لاستبعادها تلك الأصوات المهمة من المحادثات نفسها، ولعقدها فى عواصم عالمية مكلفة وتستغرق وقتا طويلا للوصول إليها.
يعد قرار استضافة المحادثات فى منطقة الأمازون قرارا رمزيا للغاية، إذ يلفت الانتباه إلى التهديدات التى تواجهها الغابات المطيرة وسكانها، فالغابات تسهم فى تنظيم مناخ المنطقة، لكنها تضررت بشدة بسبب إزالتها وتدهورها على نطاق واسع، ومن ثم، انبعثت من أجزاء كبيرة منها كميات من الكربون تفوق ما خزنته على مدى فترات طويلة، وذلك بدوره ربما يؤدى إلى زيادة فى الظواهر الجوية المتطرفة.
“تمويل المناخ” المحور الرئيسى للمحادثات:
تركز مفاوضات مؤتمر الأطراف على عدة قضايا، بدءا من سرعة الدول فى التخلص التدريجى من الوقود الأحفورى، وصولا إلى حجم الأموال التى ينبغى للدول الغنية تخصيصها لمساعدة الدول الفقيرة على مواجهة تغير المناخ.
لطالما كانت قضية “تمويل المناخ” نقطة خلاف فى المحادثات. فى بيليم، يقول المضيفون إنهم يريدون الانتقال من الأقوال إلى الأفعال من خلال استهداف ستة مجالات رئيسية يمكن تحقيق ذلك من خلالها وهى: “تخضير” الطاقة والنقل، حماية الغابات والمحيطات والتنوع البيولوجى، جعل المدن أكثر مرونة، تحويل النظم الغذائية، تعزيز التنمية البشرية والاجتماعية.
يكتسب مؤتمر “كوب 30” أهمية خاصة، نظرا لأنه يتعين على الدول كل خمس سنوات تقديم خطط جديدة وأكثر طموحا لخفض الانبعاثات.
يذكر أنه قبل عامين، خلص تقييم للخطط المحلية إلى أنها لم تلتزم بحدود اتفاقية باريس للانبعاثات. وكان من المقرر تقديم خطط جديدة أو محدثة قبل مؤتمر الأطراف الثلاثين للمساعدة فى تحديد وتيرة إزالة الكربون للسنوات الخمس المقبلة، ولكن لم تقدم معظمها تلك الخطط.
فمعظم الدول لم تقدم تعهدات مناخية جديدة قبل القمة. وحسبما أفادت الأمم المتحدة 64 دولة فقط قدمت خططا جديدة لخفض انبعاثات الكربون، على الرغم من إلزام جميع الدول بذلك قبل القمة الشهر.
ومن ثم، توقع البعض فشل تلك التعهدات فى منع ارتفاع درجة حرارة العالم، بأكثر من 1.5 درجة مئوية، وهى عتبة رئيسية لمستويات خطيرة للغاية من تغير المناخ.
وحيث إنه لم تعد دراسة الوضع جيدا قبل المحادثات، سيحتاج الأمر إلى إيجاد طريقة لضمان مغادرة بيليم بزخم متجدد برأى آنا تونى، الرئيسة التنفيذية للمحادثات، التى أكدت ضرورة العمل المناخى على مدار العام وفى جميع قطاعات المجتمع.
على الرغم من ارتفاع الانبعاثات عالميا، فإنها انخفضت فى المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبى. والأهم أنها تبدو فى انخفاض فى الصين، أكبر مصدر للانبعاثات.
وتستغل الدول منخفضة ومتوسطة الدخل المحادثات لتذكير نظيراتها الغنية بمسؤوليتها التاريخية فى التسبب بتغير المناخ - ولمطالبتها بدفع ثمنها.
يذكر أنه فى عام 2009، ألقى رئيس حزب العمال البريطانى إد ميليباند وآخرون باللوم على الصين فى عرقلة المحادثات فى كوبنهاجن. وسواء كان ذلك مبـــررا أو لا، انخـــرطت الصين بشكل أكثر انفـتـــاحـــا فـــى المفاوضات بعد ذلك. ومنذ ذلك الحيــــن، روجــت لسياســـات بيئية أوسع نطاقا على الصعيــد المحلى.
تقرير الأمم المتحدة
فى حين يكشف أحدث تقارير الأمم المتحدة تقدما فى جهود الحد من انبعاثات الكربون خلال العقد المقبل، فإن الانخفاض المتوقع لا يكفى لمنع ارتفاع درجات الحرارة إلى ما يتجاوز ذلك الهدف العالمى.
يسلط التقرير الضوء على حجم المهمة التى تواجه قادة العالم الذين يتوجهون إلى بيليم فى شمال البرازيل لحضور مؤتمر المناخ. فبعد عشر سنوات من الاتفاق على اتفاق باريس للمناخ فى عام 2015، تخضع جهود الدول للحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية لتدقيق متجدد.
وافقت جميع الدول الموقعة على تقديم خطة جديدة لخفض انبعاثات الكربون كل خمس سنوات، التى ستغطى العقد المقبل.
لكن 64 دولة فقط تمكنت من وضع تعهد جديد العام الجارى، على الرغم من تمديد الموعد النهائى عدة مرات. وتمثل تلك الدول نحو 30 % من الانبعاثات العالمية.
بالإضافة إلى ذلك، يتضمن تقرير الأمم المتحدة بيانات من الصين والاتحاد الأوروبى حول خططهما المستقبلية التى عرضت خلال أسبوع المناخ فى نيويورك فى سبتمبر.
بمجمل تلك الجهود، يتوقع انخفاض الانبعاثات العالمية لثانى أكسيد الكربون بنحو 10 % بحلول عام 2035.
ومع ذلك، يقول العلماء إن ذلك الانخفاض غير كاف، للحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة دون 1.5 درجة مئوية.
ويتطلب الحفاظ على الهدف المعلن تخفيضات كبيرة فى انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى، تصل إلى 57 % بحلول عام 2035، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة العام الماضى.
وبرأى لورانس توبيانا، الرئيس التنفيذى لمؤسسة المناخ الأوروبية، الذى يشار إليه غالبا بأنه أحد أهم مهندسى اتفاقية باريس، أن التقرير يفيد بأن العالم يسير فى الاتجاه الصحيح، ولكن ببطء شديد.
وأكد ضرورة الاعتراف بالتعهدات المفقودة ومواجهة الفجوة المستمرة بين الطموح والتنفيذ الفعلى.
فلطالما اعتبر حد الـ 1.5 درجة مئوية، المتفق عليه فى باريس، عتبة لارتفاع خطير فى درجات الحرارة.
وفى عام 2018، حدد العلماء الفوائد الهائلة التى تعود على العالم، من الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة دون 1.5 درجة مئوية، مقارنة بالسماح له بالارتفاع إلى درجتين مئويتين. وقال علماء الأمم المتحدة أن تجاوز 1.5 درجة مئوية يشمل موجات حر وعواصف أكثر تواترا وشدة، وزيادة الأضرار التى تلحق بالشعاب المرجانية، وتهديدات متزايدة لصحة الإنسان وسبل عيشه.