النواب: دعم المواطن والاهتمام بالطبقة المتوسطة والعمال وأصحاب المعاشات
خالد إسماعيل: توطين الصناعة والتعليم والصحة والدعم الاجتماعى على رأس الأولويات
اعداد: محمود مسعد
وسط مشهد انتخابى يعكس إقبال الشارع المصرى وحرصه على المشاركة، هناك تطلعات كبيرة بأن يكون البرلمان القادم أكثر قربا من الناس، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية التى تمس حياتهم اليومية، فبعد سنوات من الأزمات العالمية التى انعكست على الأسعار والدخول وفرص العمل، أصبح المواطن ينتظر من نائبه أن يكون صوتا حقيقيا داخل المجلس، لا مجرد ممثل سياسى يمرّر القوانين.
وبينما تتعدد البرامج الانتخابية والشعارات، يبقى السؤال الأهم حاضرا فى أذهان الجميع: ماذا يريد الشارع من النواب الجدد؟
الغلاء أولا
قال أحمد محمود، موظف بإحدى الشركات الخاصة، إن أول ما ينتظره من البرلمان الجديد هو ضبط الأسواق والسيطرة على الأسعار التى تجاوزت قدرة المواطن العادى.
وأوضح أن المواطن المصرى لم يعد يبحث عن الرفاهية، بل عن حياة كريمة يستطيع فيها تلبية احتياجات أسرته دون عجز فى منتصف الشهر، مؤكدا أن البرلمان الجديد أمامه اختبار حقيقى فى مواجهة الغلاء، وأشار إلى أن غياب الرقابة الفعلية على الأسواق جعل المواطن يفقد الثقة فى القدرة على التدخل لحمايته.
المشروعات الصغيرة
وقال كريم حمادة، محام وصاحب معرض أثاث، إن الأوضاع الحالية لا تشجع أصحاب الورش والمشروعات الصغيرة على الاستمرار، مشيرا إلى أن الضرائب وأسعار الكهرباء والإيجارات تمثل عبئا كبيرا على أصحاب المهن، مطالبا البرلمان الجديد بإصدار تشريعات تدعم صغار المستثمرين وتوفر بيئة عمل مناسبة للنمو.
وأضاف: إذا أراد النواب الجدد أن ينعشوا الاقتصاد فعليهم أن يبدأوا من القاعدة، من “الصنايعية” وأصحاب الورش الذين يصنعون القيمة الحقيقية للاقتصاد.
جيل ينتظر الفرصة
وقالت بسملة محمد، خريجة جامعية، إن الشباب يواجهون صعوبة فى الحصول على فرص عمل حقيقية، وجميع الشركات لا تكتفى بالتعليم الجامعى، وتريد خبرات كبيرة للعمل بها، والمناهج وطريقة التعليم فى الجامعة تختلف تماما عن سوق العمل، وبالتالى يجب وضع ملف التشغيل والتدريب المهنى على رأس أولوياتهم، مشيرة إلى أن الحديث عن الشباب لا يكفى، المطلوب سياسات واقعية ومشروعات ملموسة تفتح لهم الأبواب بدلا من الشعارات.
المتقاعدون.. صوت لا يسمع
وأوضح أنور أبو راس، أحد أصحاب المعاشات، أن أصحاب المعاشات يمثلون فئة تعانى بصمت، وأن المبالغ التى يتقاضونها لا تكفى لمواجهة ارتفاع الأسعار، مطالبا البرلمان الجديد بمراجعة منظومة المعاشات والتأمينات بما يضمن حياة كريمة لكبار السن.
رقابة حقيقية
وأوضحت عزة عبد الهادى، معلمة، أن مشكلات التعليم لا تحل بالشعارات، وإنما بالرقابة الجادة على تنفيذ الخطط الحكومية، مشيرة إلى أن البرلمان يجب أن يمارس دوره فى متابعة أداء الوزارات الخدمية، وخاصة التعليم والصحة، لأن المواطن لا يشعر بالإصلاح إلا عندما يلمسه فى حياته اليومية.
وشددت على أن وجود نائب قوى يراقب ويحاسب هو البداية الحقيقية لأى إصلاح حقيقى فى الخدمات العامة.
فقدان الثقة
ويرى أمجد شعبان، موظف فى أحد البنوك، أن أكبر أزمة تواجه العلاقة بين المواطن والبرلمان هى فقدان الثقة، مشيرا إلى أن المواطن لم يعد يتابع الجلسات أو التصريحات كما كان يفعل فى السابق، لأن أغلب الوعود لا تترجم إلى واقع.
وأضاف أن البرلمان الجديد أمامه فرصة لاستعادة هذه الثقة من خلال الشفافية والمصارحة، وأن الناخب المصرى لم يعد يبحث عن الكلام الجميل، بل عن نائب صادق وقريب من الناس.
نائب يشبه الناس
أكد عبد الفتاح خطاب، مرشح لانتخابات مجلس النواب، أن برنامجه الانتخابى يركز فى الأساس على رفع معاناة المواطن المصرى وتحسين مستوى الخدمات الأساسية، مشيرا إلى أن أول ما سيعمل عليه فى حال فوزه هو حل أزمة القمامة المنتشرة فى الشوارع من خلال وضع آلية رقابية فعالة بالتعاون بين الأجهزة التنفيذية والمجتمع المدنى، خاصة أنه فى منطقة سياحية.
وأوضح خطاب أن ملف التعليم يأتى فى مقدمة أولوياته، نظرا لأهميته فى بناء المجتمع المصرى، مؤكدا ضرورة تطوير المدارس الحكومية ورفع كفاءة المعلمين، مع العمل على تحسين البيئة التعليمية وتوفير بنية تحتية تليق بالطلاب فى كل المراحل الدراسية.
وشدد المرشح على أنه سيكون صوتا حقيقيا للطبقة المتوسطة والفئات الكادحة، التى تعانى ضغوط المعيشة اليومية، مضيفا: البرلمان لابد أن يكون قريبا من الناس، يسمعهم ويدافع عنهم.
وأشار خطاب إلى أنه يولى اهتماما خاصا بأصحاب المعاشات، مؤكدا أنهم قدموا الكثير للوطن ويستحقون معاملة تليق بسنوات خدمتهم، داعيا إلى مراجعة منظومة المعاشات بما يضمن لهم حياة كريمة ودخلا ثابتا يتناسب مع تكاليف المعيشة الحالية.
وأكد خطاب أن ملف التشغيل وتوفير فرص العمل للشباب سيكون محورا رئيسيا فى نشاطه البرلمانى، موضحا أن الحل لا يكمن فى التعيين الحكومى، بل فى تشجيع الاستثمار المحلى وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات أمام رجال الأعمال والمستثمرين الجدد، بما يسهم فى خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة للشباب.
ولفت إلى أهمية تطبيق قانون 5 % الخاص بتعيين ذوى الإعاقة فى الوظائف داخل جميع المنشآت العامة والخاصة، مؤكدا أن الكثير من المؤسسات لا تلتزم بتطبيقه فعليا رغم أنه حق قانونى ودستورى، مشددا على أنه سيطالب بآلية رقابية واضحة لتفعيل هذا القانون ومحاسبة المخالفين.
واختتم عبد الفتاح خطاب تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نواب ميدانيين، لا يكتفون بالكلام داخل البرلمان، بل يتواجدون بين الناس يوميا لحل مشكلاتهم على أرض الواقع، مؤكدا أن هدفه الأول هو أن تكون دائرته الهرم نموذجا للخدمات المنظمة والحياة الكريمة لكل مواطن.
أوضح الدكتور رامى الجالى، الخبير الاقتصادى، أن انتخابات مجلس النواب 2025 شهد نشاطا ملحوظا فى عملية التحضير، مشير إلى أن المشهد الانتخابى الحالى يختلف عن انتخابات 2020، ليس فقط فى درجة التنظيم، ولكن فى الأجواء الهادئة والمودة التى سادت بين أنصار المرشحين رغم حدة المنافسة.
وفيما يتعلق بنظام القوائم الانتخابية، قال الجالى إن الصورة جاءت “باهتة” نتيجة ضعف المنافسة، معتبرا أن عملية الاختيار داخل القوائم افتقدت إلى معايير الكفاءة والخبرة، إذ غلب عليها العامل المالى على حساب التخصص والتمثيل المتوازن، خصوصا فى فئتى المرأة والشباب.
مهام تنتظر البرلمان
وأكد الجالى أن البرلمان القادم أمامه مسئوليات اقتصادية كبرى، يأتى على رأسها ملف الدين العام وتكاليف خدمته التى تشكل عبئا متزايدا على الموازنة العامة، إلى جانب ضرورة تحفيز الصادرات المصرية وتوسيع الأسواق الخارجية فى ظل تراجع إيرادات قناة السويس بسبب التوترات الجيوسياسية فى البحر الأحمر.
وأشار أيضا إلى أن هناك قوانين مؤجلة تحتاج إلى إعادة نظر، مثل قانون الإيجار القديم والإجراءات الجنائية، مؤكدا أن استكمال هذه الملفات سيكون اختبارا حقيقيا لمدى فاعلية المجلس الجديد.
الأسعار والرقابة.. أزمة المواطن الأولى
وأشار إلى أن السوق المحلى يستجيب بسرعة لأى ارتفاع عالمى فى الأسعار، لكنها لا تتراجع عند انخفاضها، الأمر الذى يعكس ضعف الرقابة على الأسواق وغياب فاعلية أجهزة حماية المستهلك والمنافسة.
وشدد على أن البرلمان القادم يتحمل مسئولية تشريعية ورقابية مضاعفة لضمان حماية المواطن من الممارسات الاحتكارية وضبط الأسواق عبر تشريعات واضحة وآليات رقابة فعّالة.
وأضاف أن الحل لا يقتصر على الرقابة فقط، بل يتطلب تبنى سياسات تشجع التصنيع المحلى وإحلال الواردات بمنتجات مصرية، ما يخفف الضغط على العملة الصعبة ويحدّ من ارتفاع الدولار، وبالتالى يسهم فى استقرار الأسعار وتحسين القوة الشرائية للمواطن.
وأكد الدكتور خالد إسماعيل، المستشار الاقتصادى وأمين الشئون الاقتصادية بحزب حماة الوطن قطاع شرق القاهرة، أن المرحلة المقبلة تتطلب تحركا تشريعيا واسعا لمواكبة المتغيرات العالمية السريعة على المستويات التكنولوجية والعلمية والقانونية.
وأوضح إسماعيل أن العديد من القوانين الحالية لم تعد تتماشى مع متطلبات العصر، وهو ما يفرض على البرلمان الجديد مسئولية تحديث الإطار التشريعى ليواكب التطور الذى يشهده العالم، مؤكدا أن البرلمان هو المعبّر الحقيقى عن المواطن، ومن ثم فإن عليه أن يضع مصالح المواطن ومعيشته فى مقدمة أجندته التشريعية والرقابية.
وأشار إلى أن ملف ضبط الأسعار ورقابة الأسواق يأتى على رأس أولويات المواطنين، باعتباره الأكثر تأثيرا فى حياتهم اليومية، مؤكدا أن البرلمان المقبل مطالب بوضع تشريعات واضحة تضمن تسعيرا عادلا للسلع والخدمات، وتعزز من دور الأجهزة الرقابية فى مواجهة الممارسات الاحتكارية.
وأضاف أن ملف التشغيل وتقليل البطالة يجب أن يكون حاضرا بقوة فى مناقشات المجلس، من خلال تطوير منظومة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، واستحداث قوانين داعمة لريادة الأعمال وتطوير رأس المال البشرى، مشددا على أهمية تفعيل دور القطاع الخاص باعتباره شريكا استراتيجيا فى تحقيق التنمية الاقتصادية.
وقال إسماعيل إن النمو الاقتصادى الحقيقى لا يتحقق إلا من خلال تمكين القطاع الخاص وتذليل العقبات أمامه، بما يتيح له المساهمة الفعلية فى خلق فرص عمل جديدة وتحسين مستويات المعيشة.
ولفت إلى ضرورة أن يولى البرلمان الجديد اهتماما خاصا بملف توطين الصناعة وزيادة الصادرات، موضحا أن هذا الملف يعد إحدى ركائز الأمن القومى والاقتصادى، لأنه يسهم فى تعزيز السيادة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الخارج وتوفير العملة الصعبة ورفع الناتج المحلى الإجمالى.
وأشار كذلك إلى أن البرلمان القادم يجب أن يتعامل بجدية مع الملفات الاجتماعية المرتبطة بحياة المواطن مثل التعليم والصحة والسكان والدعم الاجتماعى، مؤكدا أن أى إصلاح اقتصادى لن يكتمل دون تحسين جودة الخدمات العامة ورفع كفاءة الإنفاق الاجتماعى.
وشدد إسماعيل على أن أمام مجلس النواب القادم مسئوليات ضخمة تتطلب رؤية واضحة وخبرة تشريعية واقتصادية متخصصة لدى الأعضاء، بحيث يتمكن المجلس من مناقشة السياسات الاقتصادية وسن القوانين المتوافقة مع المستجدات المحلية والعالمية.
الدين العام وسياسة الاقتراض
وأوضح الدكتور عبد النبى عبد المطلب، الخبير الاقتصادى، أن من أبرز الملفات الاقتصادية التى يجب أن تكون على أجندة مجلس النواب الجديد هو ملف الدين العام، مؤكدا ضرورة أن يتدخل البرلمان لتحديد سقف واضح وملزم لهذا الدين، سواء كان داخليا أو خارجيا، بحيث لا يحق للحكومة تجاوزه دون موافقة تشريعية مسبقة.
وأشار إلى أن هناك توجيهات سابقة صدرت بضرورة وضع سقف محدد للدين الخارجى، إلا أن هذه الإجراءات لم تفعل بصورة كاملة حتى الآن، لافتا إلى أن غياب الضوابط الواضحة على الاقتراض الحكومى يعد أحد التحديات الرئيسية التى تواجه الاقتصاد المصرى فى المرحلة الراهنة.
وشدد عبد المطلب على أن المجلس المقبل مطالب بوضع تشريعات مالية تضمن الانضباط فى سياسة الاقتراض، حتى لا تتفاقم أعباء الدين على الموازنة العامة، مؤكدا أن الاستدامة المالية لا تتحقق إلا من خلال إدارة رشيدة للدين العام.
وأضاف أن الملف الثانى الذى لا يقل أهمية هو تنفيذ وثيقة ملكية الدولة بعد تعديلها، مشيرا إلى أن هذه الوثيقة تمثل الإطار الذى يحدد العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، إلا أن التطبيق على أرض الواقع مازال يواجه حالة من عدم اليقين فى بيئة الاستثمار.
وأوضح أن هناك فارقا بين “القطاع الخاص الحقيقي” وبين “الشراكات التى تجمع بين الدولة والقطاع الخاص”، حيث لا يزال القطاع الخاص المصرى يواجه صعوبة فى توسيع مساهمته فى الناتج المحلى الإجمالى.
وأكد أن البرلمان الجديد يجب أن يسعى إلى تعزيز الثقة بين الدولة والمستثمرين من خلال مراجعة السياسات والتشريعات التى تحد من حرية القطاع الخاص وتقلل من قدرته على المنافسة.
ولفت عبد المطلب إلى أن تحسين المناخ الاقتصادى يتطلب من المجلس أيضا إعادة النظر فى منظومة السلع التموينية وأنظمة الطاقة، لضمان كفاءة الدعم وتوجيهه للفئات المستحقة، مؤكدا أن ترشيد الدعم لا يعنى تقليصه، بل إدارته بطريقة تحقق العدالة وتضمن الاستدامة المالية.
وأشار إلى أن البرلمان القادم أمامه مسئولية كبيرة فى إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية والتشريعية، بما يعزز من الانضباط المالى، ويدعم مشاركة القطاع الخاص، ويعيد التوازن إلى العلاقة بين الدولة والسوق فى إطار من الشفافية والاستدامة.