رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
إيمان عراقي

دولي

صندوق النقد الدولى يدعو إلى إصلاح جذرى لنظام الرفاهية الأوروبى

7-12-2025 | 14:59

كتب: أشرف‭ ‬شهاب

 

فى‭ ‬لحظة‭ ‬نادرة‭ ‬فى‭ ‬التاريخ‭ ‬الأوروبى،‭ ‬رفع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولى‭ ‬صوته‭ ‬عاليا‭ ‬ليعلن‭ ‬أن‭ ‬القارة‭ ‬العجوز‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬شفا‭ ‬حفرة‭ ‬مالية‭ ‬عميقة،‭ ‬وأن‭ ‬الأزمة‭ ‬التى‭ ‬تعانيها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬فى‭ ‬جداول‭ ‬الموازنات،‭ ‬بل‭ ‬هى‭ ‬تهديد‭ ‬وجودى‭ ‬للنموذج‭ ‬الاجتماعى‭ ‬الذى‭ ‬استمر‭ ‬عقودا‭ ‬فى‭ ‬البناء‭ ‬والاستقرار‭. ‬تقرير‭ ‬الصندوق‭ ‬الصادر‭ ‬فى‭ ‬4‭ ‬نوفمبر‭ ‬يختصر‭ ‬القلق‭ ‬فى‭ ‬عنوانه‭ ‬الذى‭ ‬يحمل‭ ‬سؤالا‭ ‬محوريا‭: ‬“كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لأوروبا‭ ‬تمويل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تحمله؟‮»‬،‭ ‬ويصور‭ ‬التقرير‭ ‬مستقبلا‭ ‬ماليا‭ ‬قاتما،‭ ‬حيث‭ ‬تتشابك‭ ‬الضغوط‭ ‬بين‭ ‬موازنات‭ ‬الدفاع،‭ ‬مع‭ ‬المسئولية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وأمن‭ ‬الطاقة،‭ ‬والمناخ‭ ‬فى‭ ‬مجموعة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬والتحديات‭.‬

يجد‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬نفسه‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬امتحان‭ ‬مالى‭ ‬هو‭ ‬الأصعب‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسه،‭ ‬فحاجاته‭ ‬التمويلية‭ ‬تتسع‭ ‬بوتيرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬بينما‭ ‬انطوت‭ ‬صفحة‭ ‬الفوائد‭ ‬الصفرية،‭ ‬لتبدأ‭ ‬حقبة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الاقتراض‭ ‬المكلف‭. ‬الدين‭ ‬العام،‭ ‬الذى‭ ‬تضخم‭ ‬خلال‭ ‬الجائحة،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬تثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الموازنات‭ ‬الوطنية‭ ‬بفوائد‭ ‬تمويل‭ ‬متزايدة،‭ ‬فيما‭ ‬تتسارع‭ ‬نفقات‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬فالمعاشات‭ ‬تتضخم،‭ ‬وتكلفة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬تزداد،‭ ‬والقوى‭ ‬العاملة‭ ‬تنكمش‭ ‬عاما‭ ‬بعد‭ ‬عام،‭ ‬فتضيق‭ ‬قاعدة‭ ‬الإيرادات‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تتراكم‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬الأوروبية‭ ‬فواتير‭ ‬جديدة،‭ ‬من‭ ‬مخصصات‭ ‬التسلح‭ ‬والدفاع‭ ‬وأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬الرقمى‭ ‬لتتشابك‭ ‬الخطوط‭ ‬فى‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد‭.‬

ويتوقف‭ ‬تقرير‭ ‬الصندوق‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬محورى‭: ‬كيف‭ ‬ستسدد‭ ‬أوروبا‭ ‬ثمن‭ ‬هذا‭ ‬العبء‭ ‬المتنامي؟‭ ‬فالاقتراض‭ ‬الإضافى‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬سهلا‭ ‬ولا‭ ‬رخيصا،‭ ‬وأى‭ ‬توسع‭ ‬سريع‭ ‬فى‭ ‬الدين‭ ‬قد‭ ‬يثير‭ ‬قلق‭ ‬الأسواق‭ ‬ويضغط‭ ‬على‭ ‬التصنيفات‭ ‬الائتمانية‭. ‬أما‭ ‬زيادة‭ ‬الضرائب،‭ ‬فليست‭ ‬حلا‭ ‬مريحا،‭ ‬إذ‭ ‬بلغت‭ ‬الإيرادات‭ ‬حدودها‭ ‬التاريخية،‭ ‬والمواطنون‭ ‬يئنون‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭. ‬وبينما‭ ‬تتأرجح‭ ‬الساحة‭ ‬السياسية‭ ‬بين‭ ‬التوتر‭ ‬والانقسام‭ ‬فى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬تتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬الشعبية‭ ‬بالمؤسسات،‭ ‬ويصر‭ ‬الناخبون‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬توجيه‭ ‬الميزانيات‭ ‬إلى‭ ‬إنفاق‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والخدمات‭ ‬والبحث‭ ‬العلمى‭ ‬دون‭ ‬فرض‭ ‬ضرائب‭ ‬أعلى،‭ ‬فيما‭ ‬يعد‭ ‬معادلة‭ ‬مستحيلة‭ ‬تختصر‭ ‬المأزق‭ ‬الأوروبى‭ ‬بين‭ ‬وعود‭ ‬الرفاه‭ ‬وحدود‭ ‬الواقع‭ ‬المالى‭.‬

مخاطر‭ ‬الدين‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬والاستقرار

الأسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تدهور‭ ‬الوضع‭ ‬المالى‭ ‬قد‭ ‬يبطئ‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادى‭ ‬الهزيل‭ ‬بالفعل،‭ ‬ويزيد‭ ‬تكاليف‭ ‬الاقتراض‭. ‬التقارير‭ ‬والدراسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬المرتفع‭ ‬فوق‭ ‬75‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬سيؤدى‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬التمويل،‭ ‬ويقيد‭ ‬الاستثمار‭ ‬المنتج،‭ ‬كما‭ ‬يزيد‭ ‬احتمال‭ ‬فرض‭ ‬ضرائب‭ ‬مشوهة‭ ‬مستقبلا،‭ ‬ما‭ ‬يعطل‭ ‬خطط‭ ‬النمو‭. ‬وتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬بنسبة‭ ‬10‭ ‬نقاط‭ ‬مئوية‭ ‬قد‭ ‬يبطئ‭ ‬النمو‭ ‬السنوى‭ ‬الحقيقى‭ ‬بمعدل‭ ‬ضئيل‭ ‬لكنه‭ ‬متراكم،‭ ‬وقد‭ ‬يصل‭ ‬فى‭ ‬أسوأ‭ ‬السيناريوهات‭ ‬إلى‭ ‬نصف‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية‭ ‬بحلول‭ ‬2040،‭ ‬وهو‭ ‬خطر‭ ‬جسيم‭ ‬مع‭ ‬متوسط‭ ‬نمو‭ ‬محتمل‭ ‬يبلغ‭ ‬2‭ % ‬فقط‭ ‬فى‭ ‬أوروبا‭. ‬فى‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬ستتراجع‭ ‬الإيرادات‭ ‬وترتفع‭ ‬الفوائد،‭ ‬وقد‭ ‬يصل‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬150‭ % ‬فى‭ ‬المتوسط،‭ ‬وربما‭ ‬190‭ % ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬الدول،‭ ‬فى‭ ‬حلقة‭ ‬تغذية‭ ‬راجعة‭ ‬تهدد‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعى‭.‬

إصلاحات‭ ‬طموحة‭ ‬وضبط‭ ‬مالى

يشير‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تحرك‭ ‬سياسى‭ ‬طموح‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬وضبط‭ ‬مالى‭ ‬متوسط‭ ‬الأجل،‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬فى‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭.‬

الإصلاحات‭ ‬التى‭ ‬يقترحها‭ ‬الصندوق‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬5‭ ‬نقاط‭ ‬رئيسية‭ ‬تشمل‭:‬

  1. تعزيز‭ ‬النمو‭ ‬الداخلى،‭ ‬وضرورة‭ ‬تنفيذ‭ ‬سياسات‭ ‬تحفز‭ ‬العمل‭ ‬والتوظيف،‭ ‬وتبسط‭ ‬تنظيم‭ ‬الأعمال،‭ ‬وتعزز‭ ‬الحوكمة،‭ ‬وتقوى‭ ‬أسواق‭ ‬الائتمان‭ ‬ورأس‭ ‬المال،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يزيد‭ ‬المخرجات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬5‭ % ‬فى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬و7‭ % ‬فى‭ ‬دول‭ ‬وسط‭ ‬وشرق‭ ‬أوروبا،‭ ‬موسعة‭ ‬القاعدة‭ ‬الضريبية‭ ‬ومخففة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬العام‭.‬
  2. تعميق‭ ‬السوق‭ ‬الموحدة‭ ‬الأوروبية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬خفض‭ ‬التجزئة‭ ‬التنظيمية‭ ‬وتقليل‭ ‬اختلاف‭ ‬القوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬التى‭ ‬تنظم‭ ‬الأنشطة‭ ‬نفسها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬التجارية،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬القواعد‭ ‬أكثر‭ ‬توحيدا‭ ‬وانسجاما‭ ‬داخل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬اتحاد‭ ‬أسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬وتحسين‭ ‬حركة‭ ‬العمالة،‭ ‬ودمج‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة،‭ ‬مع‭ ‬رفع‭ ‬المخرجات‭ ‬بنحو‭ ‬3‭ % ‬خلال‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمن‭.‬
  3. تمركز‭ ‬تقديم‭ ‬السلع‭ ‬العامة‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مضاعفة‭ ‬ميزانية‭ ‬الاتحاد‭ ‬للابتكار‭ ‬والدفاع‭ ‬والطاقة،‭ ‬مع‭ ‬تمويل‭ ‬مشترك،‭ ‬لتعزيز‭ ‬الكفاءة‭ ‬وتخفيف‭ ‬العبء‭ ‬المالى‭ ‬عن‭ ‬الميزانيات‭ ‬الوطنية‭.‬
  4. إصلاح‭ ‬المعاشات‭ ‬وضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬كنسبة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالى،‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬مساهمات‭ ‬الأفراد،‭ ‬ورفع‭ ‬سن‭ ‬التقاعد،‭ ‬وخفض‭ ‬بعض‭ ‬المزايا‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬التجارب‭ ‬الناجحة‭ ‬فى‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬لضمان‭ ‬استدامة‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭.‬
  5. تحفيز‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخاص،‭ ‬وتفعيل‭ ‬أدوات‭ ‬تخفيف‭ ‬المخاطر‭ ‬مثل‭ ‬الدعم‭ ‬والضمانات،‭ ‬مع‭ ‬تركيز‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬الأخضر‭ ‬وتوسيع‭ ‬دور‭ ‬المؤسسات‭ ‬الترويجية‭ ‬لتعزيز‭ ‬المشاركة‭ ‬فى‭ ‬التمويل‭ ‬الاستراتيجى‭.‬

فاعلية‭ ‬الإصلاحات‭ ‬وضبط‭ ‬الدين

تظهر‭ ‬تقديرات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولى‭ ‬أن‭ ‬الحزمة‭ ‬‮«‬المتوسطة‭ ‬الطموح‮»‬‭ ‬من‭ ‬الإصلاحات‭ ‬قد‭ ‬تغطى‭ ‬نحو‭ ‬ثلث‭ ‬حجم‭ ‬التعديل‭ ‬المطلوب‭ ‬للدولة‭ ‬الأوروبية‭ ‬النموذجية‭. ‬وإذا‭ ‬نفذت‭ ‬هذه‭ ‬الحزمة‭ ‬بالكامل‭ ‬خلال‭ ‬5‭ ‬سنوات،‭ ‬فقد‭ ‬تعيد‭ ‬مسار‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬المستوى‭ ‬المرجعى‭ ‬المستهدف،‭ ‬بما‭ ‬يخفض‭ ‬نسبته‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬130‭ % ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬نحو

105‭ % ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2040‭. ‬أما‭ ‬الحزمة‭ ‬‮«‬نصف‭ ‬الطمـوح‮»‬،‭ ‬فتتوقـع‭ ‬أن‭ ‬تهبـط‭ ‬بالديـن‭ ‬إلـى‭ ‬حــدود‭ ‬115‭ % ‬فقط،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬إصلاحات‭ ‬المعاشات‭ ‬وسياسات‭ ‬النمو‭ ‬الداخلى،‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الأوروبية‭ ‬المشتركة‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخاص‭ ‬عاملا‭ ‬مكملا‭ ‬وليس‭ ‬بديلا‭.‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬التقدم،‭ ‬فإنه‭ ‬تبقى‭ ‬فجوة‭ ‬مالية‭ ‬قائمة‭ ‬تتطلب‭ ‬ضبطا‭ ‬ماليا‭ ‬متوسط‭ ‬الأجل‭ ‬فى‭ ‬أغلب‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬يمتد‭ ‬لنحو‭ ‬5‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لبناء‭ ‬احتياطيات‭ ‬مالية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬المقبلة‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬الدول‭ ‬ستحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ضبط‭ ‬سنوى‭ ‬فى‭ ‬الرصيد‭ ‬الأولى‭ ‬المعدل‭ ‬يقارب‭ ‬0‭.‬75‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالى،‭ ‬أى‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬3‭.‬5‭ % ‬تراكميا،‭ ‬مع‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الحقيقية‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬نظرا‭ ‬لتقلب‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭: ‬فبينما‭ ‬تحتاج‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬الصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬تعديلات‭ ‬متواضعة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬2‭ % ‬تراكميا،‭ ‬تواجه‭ ‬دول‭ ‬وسط‭ ‬وشرق‭ ‬أوروبا‭ ‬ضغوطا‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬2‭ ‬و5‭ %‬،‭ ‬فى‭ ‬حين‭ ‬تتخطى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬عتبة‭ ‬5‭ % ‬بسبب‭ ‬اتساع‭ ‬التزاماتها‭ ‬المالية‭. ‬ويخلص‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬الضبط‭ ‬المطلوب‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطا‭ ‬مباشرا‭ ‬بطموح‭ ‬الإصلاحات‭ ‬نفسها‭. ‬وفى‭ ‬النهاية،‭ ‬يبقى‭ ‬المزيج‭ ‬المتوازن‭ ‬بين‭ ‬الإصلاح‭ ‬والضبط‭ ‬المالى‭ ‬هو‭ ‬المسار‭ ‬الأمثل،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والقدرة‭ ‬التنفيذية‭ ‬لكل‭ ‬بلد‭ ‬أوروبى‭ ‬على‭ ‬حدة‭.‬

ويشير‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬فى‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والابتكار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ترفا‭ ‬تنمويا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لرفع‭ ‬العوائد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتقوية‭ ‬الأسس‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬وجه‭ ‬نحو‭ ‬التحول‭ ‬الأخضر‭ ‬والرقمى‭. ‬فزيادة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬القنوات‭ ‬تخفف‭ ‬الضغط‭ ‬عن‭ ‬الموازنات‭ ‬الوطنية‭ ‬وتقلل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬العام،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الإصلاحات‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬وأقل‭ ‬كلفة‭ ‬اجتماعيا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬يتطلب،‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬التقرير،‭ ‬تنسيقا‭ ‬دقيقا‭ ‬بين‭ ‬السياسات‭ ‬الوطنية‭ ‬والأوروبية،‭ ‬لأن‭ ‬القرارات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالاستثمار‭ ‬والابتكار‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬موحدة‭ ‬تضع‭ ‬مؤشرات‭ ‬أداء‭ ‬واضحة‭ ‬وتقيس‭ ‬التقدم‭ ‬بانتظام‭. ‬ويدعو‭ ‬التقرير‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬رقابية‭ ‬شفافة‭ ‬تعزز‭ ‬الثقة‭ ‬فى‭ ‬المؤسسات‭ ‬وتضمن‭ ‬التزام‭ ‬الحكومات‭ ‬بالإصلاحات،‭ ‬بحيث‭ ‬يتحول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬أزمات‭ ‬متكررة‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬للتكامل‭ ‬المالى‭ ‬والاقتصادى‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والمساءلة‭. ‬فبالتخطيط‭ ‬المشترك‭ ‬وتبادل‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات،‭ ‬يمكن‭ ‬تحويل‭ ‬الضغوط‭ ‬الراهنة‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬بعدالة‭ ‬واستدامة‭.‬

مفترق‭ ‬طرق

يخلص‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬حاسم‭. ‬وأن‭ ‬الحل‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فى‭ ‬تقشف‭ ‬تقليدى،‭ ‬بل‭ ‬فى‭ ‬حزمة‭ ‬متكاملة‭ ‬تتضمن‭ ‬إصلاحات‭ ‬طموحة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وتطبيق‭ ‬آليات‭ ‬لتوحيد‭ ‬السوق،‭ ‬وإصلاح‭ ‬المعاشات،‭ ‬وتقليص‭ ‬العجز‭ ‬وخفض‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬لرفع‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بجودة‭ ‬الخدمات،‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬فى‭ ‬الدول‭ ‬عالية‭ ‬الدين،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التكامل‭ ‬الأوروبى‭ ‬عبر‭ ‬مضاعفة‭ ‬الميزانية‭ ‬المشتركة‭. ‬وأكد‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الطموح‭ ‬يقلل‭ ‬عبء‭ ‬الضبط‭ ‬المالى،‭ ‬أما‭ ‬التأخير‭ ‬فى‭ ‬التنفيذ‭ ‬فيضاعف‭ ‬الأزمة‭.‬

الخيار‭ ‬أمام‭ ‬القارة‭ ‬حاسم،‭ ‬ويتمثل‭ ‬إما‭ ‬فى‭ ‬تطبيق‭ ‬إصلاح‭ ‬مدروس‭ ‬بمشاركة‭ ‬الجميع،‭ ‬وإما‭ ‬مواجهة‭ ‬أزمة‭ ‬تفرض‭ ‬إصلاحا‭ ‬قسريا‭. ‬والتحدى‭ ‬الأكبر‭ ‬للجيل‭ ‬الحالى‭ ‬هو‭ ‬ابتكار‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعى‭ ‬جديد‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬الرفاهية‭ ‬الأوروبية‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬هندستها‭ ‬ماليا‭. ‬فالساعة‭ ‬تدق،‭ ‬والوقت‭ ‬ليس‭ ‬فى‭ ‬صالح‭ ‬القارة‭.‬

اخر اصدار