كتب: أشرف شهاب
فى لحظة نادرة فى التاريخ الأوروبى، رفع صندوق النقد الدولى صوته عاليا ليعلن أن القارة العجوز تقف على شفا حفرة مالية عميقة، وأن الأزمة التى تعانيها ليست مجرد أرقام فى جداول الموازنات، بل هى تهديد وجودى للنموذج الاجتماعى الذى استمر عقودا فى البناء والاستقرار. تقرير الصندوق الصادر فى 4 نوفمبر يختصر القلق فى عنوانه الذى يحمل سؤالا محوريا: “كيف يمكن لأوروبا تمويل ما لا تستطيع تحمله؟»، ويصور التقرير مستقبلا ماليا قاتما، حيث تتشابك الضغوط بين موازنات الدفاع، مع المسئولية الاجتماعية، وأمن الطاقة، والمناخ فى مجموعة واحدة من المخاطر والتحديات.
يجد الاتحاد الأوروبى نفسه اليوم أمام امتحان مالى هو الأصعب منذ تأسيسه، فحاجاته التمويلية تتسع بوتيرة غير مسبوقة، بينما انطوت صفحة الفوائد الصفرية، لتبدأ حقبة جديدة من الاقتراض المكلف. الدين العام، الذى تضخم خلال الجائحة، لا يزال عند مستويات مرتفعة تثقل كاهل الموازنات الوطنية بفوائد تمويل متزايدة، فيما تتسارع نفقات الشيخوخة، فالمعاشات تتضخم، وتكلفة الرعاية الصحية تزداد، والقوى العاملة تنكمش عاما بعد عام، فتضيق قاعدة الإيرادات. وإلى جانب ذلك، تتراكم على الطاولة الأوروبية فواتير جديدة، من مخصصات التسلح والدفاع وأمن الطاقة إلى التحول الرقمى لتتشابك الخطوط فى أزمة مالية بالغة التعقيد.
ويتوقف تقرير الصندوق أمام سؤال محورى: كيف ستسدد أوروبا ثمن هذا العبء المتنامي؟ فالاقتراض الإضافى لم يعد سهلا ولا رخيصا، وأى توسع سريع فى الدين قد يثير قلق الأسواق ويضغط على التصنيفات الائتمانية. أما زيادة الضرائب، فليست حلا مريحا، إذ بلغت الإيرادات حدودها التاريخية، والمواطنون يئنون تحت وطأة تكاليف المعيشة. وبينما تتأرجح الساحة السياسية بين التوتر والانقسام فى العديد من الدول، تتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات، ويصر الناخبون على ضرورة توجيه الميزانيات إلى إنفاق أكبر على التعليم والصحة والخدمات والبحث العلمى دون فرض ضرائب أعلى، فيما يعد معادلة مستحيلة تختصر المأزق الأوروبى بين وعود الرفاه وحدود الواقع المالى.
مخاطر الدين على النمو والاستقرار
الأسوأ من ذلك أن تدهور الوضع المالى قد يبطئ النمو الاقتصادى الهزيل بالفعل، ويزيد تكاليف الاقتراض. التقارير والدراسات الاقتصادية تشير إلى أن الدين المرتفع فوق 75 % من الناتج المحلى سيؤدى إلى رفع أسعار الفائدة، ويحد من التمويل، ويقيد الاستثمار المنتج، كما يزيد احتمال فرض ضرائب مشوهة مستقبلا، ما يعطل خطط النمو. وتجاوز هذا الحد بنسبة 10 نقاط مئوية قد يبطئ النمو السنوى الحقيقى بمعدل ضئيل لكنه متراكم، وقد يصل فى أسوأ السيناريوهات إلى نصف نقطة مئوية بحلول 2040، وهو خطر جسيم مع متوسط نمو محتمل يبلغ 2 % فقط فى أوروبا. فى ظل هذه المعادلة، ستتراجع الإيرادات وترتفع الفوائد، وقد يصل الدين إلى نحو 150 % فى المتوسط، وربما 190 % فى بعض الدول، فى حلقة تغذية راجعة تهدد مستويات المعيشة والاستقرار الاجتماعى.
إصلاحات طموحة وضبط مالى
يشير التقرير إلى أن أوروبا بحاجة إلى تحرك سياسى طموح يجمع بين إصلاحات هيكلية وضبط مالى متوسط الأجل، مع إعادة النظر فى دور الدولة.
الإصلاحات التى يقترحها الصندوق تركز على 5 نقاط رئيسية تشمل:
- تعزيز النمو الداخلى، وضرورة تنفيذ سياسات تحفز العمل والتوظيف، وتبسط تنظيم الأعمال، وتعزز الحوكمة، وتقوى أسواق الائتمان ورأس المال، ما قد يزيد المخرجات الاقتصادية بما يصل إلى 5 % فى الاقتصادات المتقدمة و7 % فى دول وسط وشرق أوروبا، موسعة القاعدة الضريبية ومخففة الاعتماد على التمويل العام.
- تعميق السوق الموحدة الأوروبية عن طريق خفض التجزئة التنظيمية وتقليل اختلاف القوانين والأنظمة التى تنظم الأنشطة نفسها الاقتصادية أو المالية أو التجارية، بحيث تصبح القواعد أكثر توحيدا وانسجاما داخل الاتحاد الأوروبى. بالإضافة إلى تعزيز اتحاد أسواق رأس المال، وتحسين حركة العمالة، ودمج سوق الطاقة، مع رفع المخرجات بنحو 3 % خلال عقد من الزمن.
- تمركز تقديم السلع العامة الأوروبية من خلال مضاعفة ميزانية الاتحاد للابتكار والدفاع والطاقة، مع تمويل مشترك، لتعزيز الكفاءة وتخفيف العبء المالى عن الميزانيات الوطنية.
- إصلاح المعاشات وضبط الإنفاق كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى، عبر زيادة مساهمات الأفراد، ورفع سن التقاعد، وخفض بعض المزايا الاجتماعية، مع مراعاة التجارب الناجحة فى عدة دول أوروبية لضمان استدامة المالية العامة.
- تحفيز الاستثمار الخاص، وتفعيل أدوات تخفيف المخاطر مثل الدعم والضمانات، مع تركيز على التحول الأخضر وتوسيع دور المؤسسات الترويجية لتعزيز المشاركة فى التمويل الاستراتيجى.
فاعلية الإصلاحات وضبط الدين
تظهر تقديرات صندوق النقد الدولى أن الحزمة «المتوسطة الطموح» من الإصلاحات قد تغطى نحو ثلث حجم التعديل المطلوب للدولة الأوروبية النموذجية. وإذا نفذت هذه الحزمة بالكامل خلال 5 سنوات، فقد تعيد مسار الدين العام إلى منتصف الطريق نحو المستوى المرجعى المستهدف، بما يخفض نسبته من نحو 130 % اليوم إلى نحو
105 % بحلول عام 2040. أما الحزمة «نصف الطمـوح»، فتتوقـع أن تهبـط بالديـن إلـى حــدود 115 % فقط، مع اعتماد أكبر على إصلاحات المعاشات وسياسات النمو الداخلى، بينما تظل الإصلاحات الأوروبية المشتركة وتعزيز الاستثمار الخاص عاملا مكملا وليس بديلا.
ورغم هذا التقدم، فإنه تبقى فجوة مالية قائمة تتطلب ضبطا ماليا متوسط الأجل فى أغلب الاقتصادات الأوروبية، يمتد لنحو 5 سنوات على الأقل لبناء احتياطيات مالية قادرة على امتصاص الصدمات المقبلة. وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلاثة أرباع الدول ستحتاج إلى ضبط سنوى فى الرصيد الأولى المعدل يقارب 0.75 % من الناتج المحلى الإجمالى، أى ما يعادل أكثر من 3.5 % تراكميا، مع احتمال أن تكون الاحتياجات الحقيقية أعلى من ذلك نظرا لتقلب الظروف الاقتصادية.
غير أن الصورة تختلف من دولة إلى أخرى: فبينما تحتاج الاقتصادات المتقدمة الصغيرة إلى تعديلات متواضعة لا تتجاوز 2 % تراكميا، تواجه دول وسط وشرق أوروبا ضغوطا تتراوح بين 2 و5 %، فى حين تتخطى الاقتصادات الكبرى عتبة 5 % بسبب اتساع التزاماتها المالية. ويخلص التقرير إلى أن حجم الضبط المطلوب يرتبط ارتباطا مباشرا بطموح الإصلاحات نفسها. وفى النهاية، يبقى المزيج المتوازن بين الإصلاح والضبط المالى هو المسار الأمثل، مع مراعاة الخصوصيات الاجتماعية والقدرة التنفيذية لكل بلد أوروبى على حدة.
ويشير التقرير إلى أن الاستثمار فى البنية التحتية والابتكار لم يعد ترفا تنمويا، بل ضرورة استراتيجية لرفع العوائد الاقتصادية وتقوية الأسس المالية على المدى المتوسط، خاصة إذا وجه نحو التحول الأخضر والرقمى. فزيادة الإنتاجية من خلال هذه القنوات تخفف الضغط عن الموازنات الوطنية وتقلل الاعتماد على التمويل العام، بما يجعل الإصلاحات أكثر فاعلية وأقل كلفة اجتماعيا. غير أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب، كما يؤكد التقرير، تنسيقا دقيقا بين السياسات الوطنية والأوروبية، لأن القرارات المتعلقة بالاستثمار والابتكار والطاقة النظيفة لا يمكن أن تنجح بمعزل عن رؤية موحدة تضع مؤشرات أداء واضحة وتقيس التقدم بانتظام. ويدعو التقرير فى هذا السياق إلى بناء منظومة رقابية شفافة تعزز الثقة فى المؤسسات وتضمن التزام الحكومات بالإصلاحات، بحيث يتحول الاتحاد الأوروبى من إدارة أزمات متكررة إلى نموذج للتكامل المالى والاقتصادى القائم على الكفاءة والمساءلة. فبالتخطيط المشترك وتبادل أفضل الممارسات، يمكن تحويل الضغوط الراهنة إلى فرصة تاريخية لإعادة هندسة الاقتصاد الأوروبى بعدالة واستدامة.
مفترق طرق
يخلص التقرير إلى أن أوروبا تقف عند مفترق طرق حاسم. وأن الحل لا يكمن فى تقشف تقليدى، بل فى حزمة متكاملة تتضمن إصلاحات طموحة لتعزيز الإنتاجية، وتطبيق آليات لتوحيد السوق، وإصلاح المعاشات، وتقليص العجز وخفض الدين العام لرفع الكفاءة الاقتصادية دون المساس بجودة الخدمات، مع إعادة تعريف دور الدولة فى الدول عالية الدين، وتعزيز التكامل الأوروبى عبر مضاعفة الميزانية المشتركة. وأكد التقرير أن الإصلاح الطموح يقلل عبء الضبط المالى، أما التأخير فى التنفيذ فيضاعف الأزمة.
الخيار أمام القارة حاسم، ويتمثل إما فى تطبيق إصلاح مدروس بمشاركة الجميع، وإما مواجهة أزمة تفرض إصلاحا قسريا. والتحدى الأكبر للجيل الحالى هو ابتكار عقد اجتماعى جديد يحافظ على جوهر الرفاهية الأوروبية مع إعادة هندستها ماليا. فالساعة تدق، والوقت ليس فى صالح القارة.