كتبت: شريفة عبد الرحيم
بعد 25 عاما من استخدام العملة المشتركة، تفتقر دول الاتحاد الأوروبى إلى وسيلة تتيح الدفع فى جميع أنحاء أوروبا لجميع الاستخدامات.
ومن ثم كان مشروع اليورو الرقمى المثير للجدل، فعلى الرغم من المكاسب الاقتصادية له -التى تصل إلى منافسة هيمنة الدولار الأمريكى- فإن هناك مشككين يثيرون مخاوف نسف الملف.
ويستهدف البنك المركزى الأوروبى إطلاق اليورو الرقمى بحلول عام 2029.
سيضمن اليورو الرقمى تمتع الناس بمزايا النقد فى العصر الرقمى. وبذلك، سيعزز مرونة منظومة الدفع الأوروبية، ويخفض التكاليف على التجار، ويخلق منصة للشركات الخاصة من اجل الابتكار والتوسع والمنافسة.
أشار أحدث تقارير البنك المركزى الأوروبى إلى مزايا العملة الرقمية المزمع إصدارها. فأوضح أن هدف مشروع اليورو الرقمى التابع لنظام اليورو مواءمة أموال البنوك المركزية مع العصر الرقمى، ومعالجة التحديات الحالية التى تواجه منظومة المدفوعات الأوروبية. وقال إنه مع تطور أساليب الدفع، وانخفاض استخدام النقد، وانتشار المعاملات الرقمية، أصبحت الحاجة إلى وسيلة دفع رقمية عامة -مكمله للنقد- ملحة بشكل متزايد.
وبصفته نقدا رقميا، تم تصميم اليورو الرقمى ليكون مكملا للنقد المادى، ما يضمن استمرار استخدام الاثنين فى منطقة اليورو كوسيلة دفع موثوقة ومقبولة عالميا -الآن وفى المستقبل. وبالتالى، سيحافظ على حرية الاختيار والسيادة النقدية لأوروبا فى جميع أنحاء منطقة اليورو. بالإضافة إلى ذلك، سيعزز الابتكار فى مجال المدفوعات، ويساعد فى جعل المدفوعات الأوروبية تنافسية ومرنة وشاملة.
يذكر أنه فى عام 2021، بدأ نظام اليورو مرحلة البحث (2021-2023)، التى ركزت بشكل رئيسى على تصميم اليورو الرقمى. وفى نوفمبر 2023، قرر نظام اليورو إطلاق مرحلة تحضيرية مدتها عامان، لوضع الأساس لإصدار محتمل لليورو الرقمى.
وتضمنت الأهداف الرئيسية لتلك المرحلة تقديم مسودة دليل قواعد نظام اليورو الرقمى، واختيار المزودين المحتملين لمنصة اليورو الرقمى وبنيته التحتية، والتعلم من خلال التجارب وأبحاث المستخدمين، وإجراء تحليلات فنية أكثر تعمقا، والتفاعل مع الجهات المعنية، لضمان استيفاء اليورو الرقمى لأعلى معايير الجودة والأمان والخصوصية وسهولة الاستخدام.
شكوك مشروعة:
وفقا للمشرع الرئيسى فى الاتحاد الأوروبى المعنى بالملف، فرناندو نافاريتى، لا ينبغى إطلاق يورو رقمى متكامل إلا إذا لم يبتكر القطاع الخاص حلا خاصا به لدمج مشهد المدفوعات المتشتت فى المنطقة.
واقترح نافاريتى أن يكون إصدار العملة الرقمية عبر الإنترنت مشروطا بقيام الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبى بالتأكد من خلال “اختبار السوق” من استيفاء الشروط اللازمة لإطلاق البنك المركزى الأوروبى للنسخة الإلكترونية، وأن يكون إصدار العملة الرقمية عبر الإنترنت “مشروطا بغياب حل أوروبى شامل للدفع بالتجزئة”، وفقا لبيان مرفق بالتقرير الذى طال انتظاره والذى سيشكل أساسا لمزيد من المناقشات فى البرلمان الأوروبى.
وقال إنه من خلال البدء بيورو رقمى غير متصل بالإنترنت، يمكن لأوروبا أن تقدم حل مناسب، دون التسبب فى مخاطر على الاستقرار المالى، وإتاحة الفرصة للقطاع الخاص لتوسيع نطاقه وبناء منظومة مدفوعات أوروبية، من خلال التوافق بين الحلول المقترحة.
سيمثل ذلك النهج تحولا كبيرا عن خطط البنك المركزى الأوروبى، التى دأبت على الدعوة إلى خيار مدفوعات عامة يناسب العصر الرقمى.
لكن المشروع يعتمد على الأساس القانونى للمفوضية الأوروبية فى عام 2023. ولا يزال البرلمان والحكومات الأوروبيين يعملان على نسختهما الخاصة من القواعد، وبعد ذلك سيتعين عليهما إيجاد أرضية مشتركة. يرى محللون أن نافاريتى، عضو حزب الشعب الأوروبى (يمين الوسط)، سيحاول إقناع زملائه المشرعين بدعم موقفه، مع احتمال طرحه للتصويت فى الجلسة العامة للجمعية فى منتصف عام 2026.
فسر البعض تلك الشكوك بشأن اليورو الرقمى على أنها محاولة لنسف المشروع، على الرغم تأكيد نافاريتى على أنه لا يدرى بشأن النتيجة. وأبدت أحزاب سياسية أخرى انفتاحا أكبر، لمواءمة التشريع مع رؤية البنك المركزى الأوروبى.
اكتسبت المناقشات حول المشروع زخما فى ظل جهود أوروبا لتعزيز استقلاليتها وخطط الولايات المتحدة لترويج ما يسمى بالعملات الرقمية المستقرة. ويقول المؤيدون إنه سينشئ بديلا لخيارات الدفع الرقمية غير الأوروبية الأخرى المتاحة فى جميع أنحاء أوروبا، مثل “فيزا” و”ماستركارد”.
كانت إحدى نقاط الخلاف هى مقدار النقد الافتراضى الذى يمكن للمواطنين امتلاكه. وحذرت البنوك من أنه فى حال كانت الحدود مرتفعة للغاية، فان تدفقات الودائع المحتملة ربما تهدد الاستقرار المالى.
التداعيات الاقتصادية:
تشير تقديرات البنك المركزى الأوروبى ومعهد بروجل إلى ارتفاع الناتج المحلى الإجمالى للاتحاد الأوروبى بنسبة 0.1 % إلى 0.2 % سنويا بفضل مكاسب الكفاءة التى سيوفرها استخدام اليورو الرقمى.
ومع بلوغ الناتج المحلى الإجمالى للاتحاد الأوروبى بحلول عام 2025 نحو 18.5 تريليون دولار، يمثل ذلك زيادة سنوية فى الناتج المحلى الإجمالى تتراوح بين 18 و37 مليار دولار.
ويقول المؤيدون إن اليورو الرقمى سوف يخفض تكاليف الدفع للمستهلكين والشركات، حيث يقلل الاعتماد على الوسطاء مثل “فيزا” و”ماستركارد” و”باى بال”، فالأوروبيون يدفعون ما يقارب 200-250 مليار دولار سنويا كرسوم بطاقات ومدفوعات إلكترونية. ويمكن لليورو الرقمى أن يخفض تلك التكاليف بنسبة 15-20 %، ما يوفر للمستهلكين والشركات ما بين 30 و50 مليار دولار سنويا. وتشمل انخفاض تكاليف تحويل المدفوعات داخل الاتحاد الأوروبى بنحو 5-7 مليارات دولار.
ذلك بالإضافة إلى تحسين كفاءة الدفع عبر الحدود داخل منطقة اليورو.
كما أن إطلاق اليورو الرقمى سوف يعزز موقف أوروبا تجاه العملات الرقمية الخاصة -مثل العملات المستقرة أو العملات المشفرة-.
على صعيد الاستقرار المالى، ودائع اليورو الرقمى خالية من المخاطر نظرا لأنها مدعومة بنسبة 100 % من قبل البنك المركزى الأوروبى.
الجدير بالذكر هنا انه فى أوقات الأزمات، ربما يفضل الناس الاحتفاظ باليورو الرقمى بدلا من ودائع البنوك التجارية –وهو ما يدعم القوة الشرائية، ولكنه ربما يؤدى من ناحية أخرى إلى استنزاف السيولة من البنوك الخاصة.
أما التداعيات المتوقعة على القطاع المصرفى، فأبرزها يتركز فى مخاطر عدم الوساطة وربما إعادة هيكلة القطاع. فإذا نقل عدد كبير من الأشخاص مدخراتهم إلى محافظ البنك المركزى الأوروبى، ربما تفقد البنوك ودائع الأفراد، التى تعد مصدرا رئيسيا لرأس المال اللازم لتقديم خدمة الإقراض.
فإذا تحولت 5-10 % فقط من ودائع منطقة اليورو إلى اليورو الرقمى، ربما تخسر البنوك ما يقارب 700 مليار دولار إلى 1.4 تريليون دولار من الميزانيات العمومية التجارية.وسيؤدى ذلك إلى رفع تكاليف تمويل البنوك، وربما تقليل توافر القروض بنسبة 1-2 %.
ولتجنب ذلك، يخطط البنك المركزى الأوروبى للحد من حيازة الفرد من اليورو الرقمى -على سبيل المثال، ما بين 3000 و5000 دولار كحد أقصى- لمنع عمليات السحب الجماعية من البنوك. ومن شأن ذلك أن يضع سقفا للهجرة الإجمالية عند نحو 500 إلى 600 مليار دولار، وهو مستوى يمكن للبنوك التعامل معه.من ناحية أخرى، نظرا لأن البنوك تحقق هوامش فائدة تتراوح بين 1 % و2 % على ودائع الأفراد.فان خسارة 500 مليار دولار من الودائع سوف يؤدى إلى انخفاض الأرباح المصرفية السنوية بنحو 5-10 مليارات دولار فى جميع أنحاء الاتحاد الأوروبى.
ومع ذلك، ربما تعوض وفورات رسوم المعاملات والابتكار فى الخدمات الرقمية جزءا من تلك الخسارة.
هناك أيضا التأثير الجيوسياسى والدولى، إذ يأمل المشرعون أن يعزز اليورو الرقمى تنافسية العملة الأوروبية الموحدة، من خلال تعزيز مكانة اليورو كعملة احتياط والمعاملات العالمية.
فمن المتوقع أن يزيد اليورو الرقمى من اســـــــتخدام اليورو عالميا بنسبة 5-10 % فى ظل انخفاض تكاليف التحويلات. ومن ثم، يمكن تقليص اعتماد أوروبا على الدولار بنسبة 1-2 % من حصة تجارتها - أى ما يعادل نحو 200-300 مليار دولار من المعاملات الدولية القائمة على اليورو، التى تتحول سنويا من تسوية الدولار إلى تسوية اليورو.
ذلك سوف يعزز السيادة النقدية لأوروبا، ويقلل الاعتماد على نظام الدفع القائم على الدولار الأمريكى -سويفت، ومقاصة الدولار-.
وكذلك يضع أوروبا فى صدارة العملات الرقمية السيادية، متقدمة على العديد من الاقتصادات الغربية.
وعلى المدى الطويل، ربما يشكل تحديا لهيمنة الدولار فى التجارة العالمية
تكاليف تنفيذ خطة اليورو الرقمى:
تشير تتقديرات البنك المركزى الأوروبى إلى أن بناء البنية التحتية الرقمية سوف تتكلف 5-7 مليارات دولار –خلال الفترة من 2023 إلى 2027.
أما تكامل الخدمات المصرفية والتكنولوجيا المالية فسوف يحتاج إلى 10-15 مليار دولار فى جميع المؤسسات المالية بالاتحاد الأوروبى، وتكاليف التوعية العامة والأمن السيبرانى والتنظيم تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار.
ومن ثم، يقدر إجمالى تكلفة إعداد اليورو الرقمى بنحو 25 مليار دولار على مدى 5 سنوات -وهى تكلفة متواضعة مقارنة بالمكاسب السنوية طويلة الأجل التى تتراوح بين 25 و37 مليار دولار سنويا.
لماذا تحتاج أوروبا إلى يورو رقمى؟
يقول فيليب لين، كبير الاقتصاديين فى البنك المركزى الأوروبى، لمجلة التمويل والتنمية، إن مشروع اليورو الرقمى له هدف بسيط، وهو ضمان احتفاظ الناس فى العالم الرقمى بخيار إجراء أو استلام المدفوعات بأموال البنك المركزى.
سيدعم استكمال النقد المادى بالنقد الرقمى تحديث النظام النقدى التقليدى ثنائى المستوى، الذى يسمح بكل من النقد والودائع المصرفية كوسيلة للتبادل.
يرى البعض أن النهج البديل لتكييف النظام النقدى مع العصر الرقمى يتمثل فى الترويج للعملات المشفرة، مثل “بيتكوين”. لكن لين يقول إن أفضل طريقة لفهم العملات المشفرة أو المستقرة هى توسيع نطاق عالم المال الخاص كبديل آخر للودائع المصرفية وليس كبديل حقيقى لأموال البنك المركزى.على النقيض من ذلك، يعد اليورو الرقمى المصمم جيدا بتحديث النظام النقدى ثنائى المستوى دون زعزعة استقرار المؤسسات المالية أو تعطيل تنفيذ السياسة النقدية أو تطبيقها.